ثلاثة أيام وجزء من لياليها استمر وزراء الخارجية والري في دول السودان ومصر وإثيوبيا في مفاوضات ماراثونية، صاحبها الكثير من التوتر والترقب والأمل، وقليل من التفاؤل، استطاعوا في ختامها أول من أمس، أن يبددوا الظنون ويخرجوا بوثيقة توافقية بعد مخاض عسير، واتفقوا على الكثير من القضايا العالقة التي أجابت على شواغل الدول الثلاث بشأن مشروع سد النهضة أو سد الألفية كما أحب وزير الخارجية الإثيوبي أن يسميه.
ففي غضون هذه الأيام الثلاثة اتفق الوزراء على اختيار الشركتين الاستشاريتين اللتين ستقومان بإجراء الدراستين المنصوص عليهما في توصية لجنة الخبراء العالميين. المفاوضات ليست بالسهلة وفقاً لما أقرت به الأطراف الثلاثة وكانت صعبة وشاقة، لا سيما على الجانب المصري الذي ظل التوتر ملمحاً بارزاً على وفده وقيادته، فيما كان الهدوء سمة بارزة للوفد الإثيوبي، أما الجانب السوداني وإن كان البعض يرى بأنه يلعب دور الوسيط غير أن سير التفاوض في اتجاه مصالحه جعله الأكثر هدوءاً.
ترقب وانتظار
وفي ظل حالة الترقب والانتظار طيلة أيام التفاوض وما صاحب ذلك من تطورات جعلت المراقب يضع علامة استفهام حول المغادرة المفاجئة لوزير الري المصري حسام مغازي لمقر المفاوضات والتوجه إلى بلاده قبل ختامها، إلا أن وجود وزراء الخارجية أزال شيئاً من الشكوك، لا سيما بعد اختفاء بعض ملامح التوتر عن وزير خارجية مصر سامح شكري، ولم تمض سوى سويعات قلائل خرج بعدها الوفود من الدول الثلاث معلنين ومقرين بمشقة التفاوض حول الملف، ومؤكدين اتفاقهم على وثيقة تفاهمات على ضوء اتفاق المبادئ الذي وقعه الرؤساء الثلاثة في مارس الماضي.
أعصاب هادئة
ويفسر وزير الموارد المائية السوداني معتز موسى، موقف بلاده الذي كثيراً ما شابه الغموض تجاه القضية قائلاً لـ«البيان»، إن «السودان أعصابه رايقة ويشاهد الملعب بصورة جيدة فإذا كان اللعب في صالحه لا يمكن أن يتكلم، أما إذا ما حدث العكس يمكنه التحدث». وأضاف: «إذا الورق في صالحي ليس هناك داع لقومة النفس وافتعال الخلاف».
ويشير موسى إلى أنه وعلى ضوء ما تم من اتفاق لم يتبق في الملف شيء سوى دراسات الشركتين ومن بعده قبول نتائج تلك الدراسات. وقال إن موقف السودان محسوم بالنسبة لإقامة السد. وأضاف: «نحن ليس ضد السد طبعاً ولكن نحن نرى ضرورة أن يتم بطريقة تنفع الدول الثلاث ولا تحدث أضرار على مصر ولا السودان».
ولم ينس معتز موسى بأن يذكر بالدور الإيجابي الذي يجب أن يقوم به الإعلام بشأن القضية، محذراً في ذات الوقت من مغبة حدوث حرب إعلامية. وأضاف قائلاً: «مناشدتنا التناول الراشد من كل الأجهزة الإعلامية ولو دارت حرب إعلامية لا يعلم إلا الله أين تقف، ونناشد أجهزة الإعلام بكل المنطقة بأن تلتزم الموضوعية والهدوء».
لا مزايدة
ويذهب معتز شارحاً ومفصلاً ما جاء في الاتفاق ويؤكد أن جميع الصعوبات الكبيرة تم تجاوزها، ويكشف عن بداية دراسة علمية مطلع فبراير ليس فيها مجال لأي مزايدة أو مواقف أو تسويات، مشيراً إلى أن العمل سيكون «علمياً نظيفاً يتقبل الدول الثلاث نتائجه وسنلتزم بها جميعاً».
وحول إيقاف أعمال بناء السد، قال وزير الخارجية السوداني إن الدول الثلاث ستلتزم بنتائج الدراسات على نحو ما نص عليه اتفاق المبادئ الذي تم إعلانه في الخرطوم في مارس الماضي، إلى جانب أنها ستلتزم بما يأتي من دراسات من قبل الشركتين الفرنسيتين اللتين تم اختيارهما وهي شركة «بي اي ال» وشركة «انتيليا»، حيث الأولى تشتغل 70 في المئة من الدراستين والثانية الـ30 في المئة الأخرى.
شواغل
وأكد الوزير أن الدراسات ستبدأ بتوقيع العقد في الأسبوع الأول من فبراير وسينطلق العمل مباشرة وفق ما تم التوافق عليه في جدول الأعمال في الاجتماع الخامس الذي انعقد في أديس أبابا العام الماضي، وتم الاتفاق أن تكون في حدها الأدنى ستة أشهر وفي حدها الأعلى 15 شهراً، كما أن الدراسات ستكون ملزمة.
وحول انشغالات السودان بشأن سد النهضة، أكد وزير الموارد المائية السوداني معتز موسى، أن للسودان شواغل وتم التداول حولها مثلما الدول الثلاث، وتوافقنا على الوثيقة التي تجيب على شواغل كل دولة. وقال إن أبرز شواغل السودان هي أن تتفق الدول على أن يتم السد بطريقة آمنة وسليمة وكذلك التشغيل، وأن يكون مفيداً ولا يضر بشكل جدي بالمصالح، والشواغل كلها منصبة حول أن هذا سيتم نحو ما نتمنى جميعاً.
وأضاف أن سنوات الملء الأول والتشغيل السنوي ستجيب عليها الدراسة التي ستنطلق في فبراير، مشيراً إلى أن الوثيقة الأخيرة ناقشت شواغل السودان ومصر وإثيوبيا حول سير العمل بشأن اتفاق المبادئ الذي وقع في الخرطوم ودرجة سيره ونجاحه وتحقيق أهدافه.
