لمشاهدة الغرافيك بالحجم الطبيعي اضغط هنا

 

يطرح محلّلون سياسيون تساؤلات مهمة بشأن الحرب الدائرة الآن في العراق مفادها: «هل القضاء على تنظيم داعش هدف أم وسيلة؟»، فاذا كان هدفاً فما هي الوسائل المتبعة لتحقيق ذلك؟ ثمّ ماذا بعد؟ وإذا كان وسيلة فما هي الاستراتيجية الموضوعة خلفها، وما هو الهدف؟ هل فرض نظام ولاية الفقيه أم تقسيم العراق، أم بناء نظام ديمقراطي، بأدوات كانت هي السبب في خراب العراق وتفتيت وحدته الوطنية وظهور ونمو «داعش» فيه!؟

لعل هذه التناقضات تجعل من الصعب مواجهة «داعش»، بوجود «المثيل المضاد»، الذي يتبنّى تهميش الآخرين والمتهم الرئيس بكونه السبب الرئيس لظهور التنظيم الإرهابي أو كونه المثيل له.

وليد فشل

وما يثير استغراب وسخرية العراقيين، أنّ السياسيين وحينما يُسألون عن سبب الخراب والتدمير والبؤس والقتل وانعدام الخدمات، فإنّهم يجيبون بكل بساطة: «إنّه النظام السابق!»، فيما لم يضيفوا حجراً إلى البناء بل على العكس، وعندما أصبحت ورقة «النظام السابق» بالية أصبح السبب «داعش»، الأمر الذي يطرح عند بعض المشكّكين أن «داعش» هو اختراع لتبرير الفشل السياسي، فيما هو وليد للفشل السياسي.

وتقول مصادر دولية إنّ تنظيم داعش وليد سياسات نوري المالكي وبشار الأسد وتضرب مثلاً على ذلك بهروب المئات من قادة تنظيم القاعدة من سجن أبو غريب شديد التحصين غربي بغداد في 22 يوليو 2013، وكم من مئات السيارات نقلت الهاربين ومهربيهم، ومرورها عبر عشرات نقاط السيطرة والقطعات العسكرية عبر محافظة الأنبار إلى سوريا دون أن يراها أو يعترضها أحد!؟ فضلاً عن الكيفية التي تمت بها عملية التهريب، والتي تؤشّر لوجود تواطؤ على أعلى المستويات أو انهيار سياسي وأمني.

دولة بلا دولة

ولعل هذه الحادثة تكفي للتدليل على وجود «دولة بلا دولة»، وكيان قمعي تتحكم به الميليشيات الفوضوية، التي تعد المستفيد الأول من «داعش» لتنتشر وتتنامى وتتمادى تحت مسمى المقاومة التي أصبحت فيما بعد العنصر الأساسي في «الحشد الشعبي»، الذي أنشئ إثر انهيار الجيش العراقي في 10 يونيو 2014، يوم سقوط الموصل ومحافظات أخرى بيد «داعش»، بعد أقل من سنة على واقعة سجن أبوغريب.

ويرى بعض المراقبين أنّ «الحشد الشعبي أقرب ما يكون إلى الحرس القومي الذي شكله حزب البعث بعد انقلاب 8 فبراير 1963، الذي ارتكب مجازر شوارع وإعدامات ميدانية واعتقالات عشوائية، إلا أنه لم يتهم بعمليات سلب ونهب وسطو مسلح وخطف، كما يحدث اليوم في بغداد ومعظم المدن العراقية».

البحث عن مستفيد

ويرى المحلل السياسي زيد الزبيدي، أنّ من الواجب إلقاء نظرية المؤامرة جانباً، مشيراً إلى أنّ «المنظور هو أنّ المستفيد الأول من وجود «داعش» هو الحشد الشعبي ومن يقف وراءه من كبار السياسيين وتجار الحروب، كما أنّه المستفيد الأول من الحرب ضد «داعش» من خلال استغلال الفراغ الأمني في المدن وفرض سيطرة الميليشيات عليها».

وأضاف: «كما تستفيد بعض الفصائل من انسحابات «داعش»، لممارسة عمليات النهب والسطو وتدمير الممتلكات لدوافع طائفية، فضلاً عن تخريب البنى التحتية ليستفيد تجار إعادة البناء».

ويؤكد سياسيون أن بغداد والبصرة والكثير من مدن الوسط والجنوب يعاني سكانها من سطوة الميليشيات التي تفوق في أحيان كثيرة سطوة «داعش» في المناطق التي يحتلها، فيما تقف الأجهزة الحكومية متواطئة أو عاجزة عن فعل أي شيء.

انفلات أمني

وتضرب اللجنة الأمنية في مجلس محافظة بغداد مثلاً على الانفلات الأمني، بحادثة اختطاف العمال الأتراك في سبتمبر الماضي، وعدم اتخاذ الحكومة أي إجراء بحق الخاطفين والجهة التي ينتسبون اليها، فيما لعبت دور الوسيط لإطلاق المخطوفين.

وعدت اللجنة الأمنية في مجلس محافظة بغداد، نقل العمال الأتراك المختطفين من شرق بغداد إلى شمالها ثم إلى جنوبها، وإلى أقصى جنوب البلاد يدلل على مدى الفوضى الأمنية وارتفاع الجريمة والعنف في البلاد لا سيّما العاصمة، ودعت الأجهزة المختصة إلى الضرب بيد من حديد على كل من يعبث بالأمن وعدم الاكتفاء بالتصريحات الإعلامية.

ويقول عضو اللجنة محمد الربيعي، إنّ «العزوف عن تنفيذ الإصلاحات الحكومية بالنحو الصحيح أدى إلى خلل أمني، وإن اللجنة شخصت خلال المدة الماضية ارتفاعاً بعدد جرائم السرقة والخطف والسلب، بما في ذلك خطف عمال الشركات الأجنبية والمحلية».

يد مغلولة

ويؤكد عضو اللجنة الأمنية في مجلس محافظة بغداد، أنّ «هناك مناطق في العاصمة سقطت بيد العصابات نتيجة ضعف الأجهزة الأمنية»، داعياً قيادة عمليات بغداد إلى الضرب بيد من حديد لمواجهة ذلك الخطر بنحو جدي، مضيفاً: «لكن يد الحديد مغلولة إلى عنقها، فعندما حاولت قوة من قيادة عمليات بغداد بالتحري في إحدى المناطق عن الخاطفين، قوبلت بقوة السلاح ثمّ تدخلت الشرطة الاتحادية لفض النزاع، وكانت النتيجة إلقاء اللوم على قيادة العمليات لمحاولتها دهم أحد مقار الحشد الشعبي».

ولعل ما يزيد الطين بلّة التدهور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتربوي، فضلاً عن وجود 3.3 ملايين نازح في داخل العراق، نصفهم قبل ظهور «داعش»، وكثيرون نزحوا هرباً من القصف المدفعي والجوي والتراشق الناري المتبادل، وآخرون بسبب سطوة الميليشيات، فيما الأنكى والأمر من ذلك عدم سماح تلك الميليشيات للنازحين من ديارهم بالعودة اليها بعد مغادرة «داعش»، رغم مرور أشهر كثيرة على ذلك، فيما تعرضت ممتلكاتهم للنهب والحرق والتفجير.

لا إنكار

ويلمس المراقبون وجود مستفيدين داخل الحشد الشيعي من وجود «داعش»، ووجود مستفيدين من خروج التنظيم للحلول محله، فضلاً عن المستفيدين من تجار الحرب والتهريب والتخريب، وصراع السيطرة، وكلها وسيلة وهدف، مع عدم إنكار دور الجهات التي نذرت نفسها للدفاع عن العراق، ولكن من دون وضوح خط النهاية.

بدوره، يقول قاسم العيثاوي، أحد المقاتلين في منطقة الحميرة جنوب الرمادي، إنّ «الطائرات الأميركية هي التي تستطيع حسم المعركة كما فعلت في سنجار، ولا نفهم لماذا تتأخّر في تحرير مدينتنا». وينقل موقع «نقاش» عن العيثاوي قوله، إنّ «الطائرات الأميركية حسمت المعركة في سنجار، وقامت بقصف كثيف على عناصر «داعش»، وهو ما مهد الطريق لقوات البيشمركة بالدخول إلى المدينة في اليوم التالي بكل سهولة، ومن الممكن أن يتم تحرير الرمادي خلال يومين أيضاً لو أنّ الطائرات الأميركية قامت بقصف كثيف بنفس ما قامت به في سنجار».

ويسيطر «داعش» على مساحات كبيرة من الأنبار، لكن المهم للحكومة والمسؤولين المحليين والعشائر اليوم هو تحرير الرمادي لأنها مركز المحافظة وطرد «داعش» منها يسهّل تحرير بقيّة المدن، ولهذا نجحت القوات الأمنية المؤلفة من الجيش وقوات مكافحة الإرهاب وعدد محدود من قوات العشائر من محاصرة المدينة ودخول بعض مناطقها.

خشية ميليشيات

ووفق نائب رئيس مجلس محافظة الأنبار فالح العيساوي، فإنّ تحرير الرمادي يظل مسألة وقت لن يتعدى أياماً، بعد وصول الجيش إلى مركز المدينة رغم ما يتعرض إكمال السيطرة من عبوات ناسفة وسيارات مفخّخة، ووجود عائلات يستخدمها «داعش» دروعاً بشرية.

ويرى مراقبون أنّ «من الأسباب التي أخرت تحرير الرمادي هو الخوف من غياب القانون ومن سيحكم المدينة ومن سيدير الأمن فيها، ومن سيضمن ألا تحدث فيها عمليات انتقامية وفوضى كما حصل في عدد من المدن مثل تكريت وبيجي وشمال بابل وديالى؟».

ويشيرون إلى أنّ أكثر الجهات التي تخشى من حصول فوضى في الرمادي بعد تحريرها هي الولايات المتحدة، التي وضعت كل ثقلها وقوتها في الأنبار، وأنّ أكبر دليل على ذلك أنّ المئات من مستشاريها وجنودها ينتشرون في قواعد عسكرية في الأنبار، لا سيّما الحبانية جنوبي الرمادي وعين الأسد غربها.

انقسام سياسيين

ويقول مستشار عسكري أميركي ردّاً على سؤال هل لدى الولايات المتحدة مخاوف من مستقبل الأنبار؟ «نعم لدينا بعض المخاوف لأن عشائرها منقسمة والسياسيون هناك يتبادلون الاتهامات». ويضيف: «الشرطة المحلية في الرمادي تفكّكت بعد سقوط المدينة وعلى الحكومة بناء قوات شرطة جديدة لحمايتها، ونحن نساعد على ذلك، وهناك قوات شرطة جديدة يتم تدريبها وتسليحها، والجيش يحقق انتصارات في الرمادي، ولكن هناك فصائل قريبة، والسكان يخافون من دخولها إلى مدينتهم بعد تحريرها».

ويشير إلى أنّ «هناك مخاوف من قيام العشائر المتحالفة مع الحكومة بعمليات انتقامية كبيرة ضد العشائر الأخرى، كما حصل في صلاح الدين عندما قامت العشائر المتحالفة مع الفصائل بقتل وحرق منازل من عشائر أخرى بحجة أنهم عناصر في «داعش».

ضم فصائل

ويلفت متابعون إلى أنّ على الحكومة العراقية والولايات المتحدة التفاهم مع فصائل مسلّحة في الأنبار معارضة للحكومة قبل تحرير الأنبار، لأنّ بقاء هذه الفصائل معارضة للعملية السياسية في العراق سيبقي الأزمة في الأنبار لسنوات أخرى.

وأبرز هذه الفصائل هي المجلس العسكري للثوار، والجيش الإسلامي، وجيش المجاهدين، وكتائب ثورة العشرين، وهذه الفصائل تلتزم الحياد بين القوات الأمنية وبين داعش، إذ رفضت مبايعة «داعش» وتعرض عناصرها للقتل بسبب رفضهم المبايعة، ومن الممكن أن تقوم الحكومة بالتحالف معهم، إذ تجري مفاوضات سريّة بين مندوبين من الحكومة ومندوبين من هذه الفصائل بوساطة أميركية وعربية منذ شهور وحتى الآن.

وتثير الفوضى التي تعيشها الأنبار القلق من انهيار المدينة بعد تحريرها من «داعش»، إذ لا تكمن المشكلة في القدرات العسكرية باعتبار وجود أكثر من عشرين ألف جندي مع مئات الدبابات والمدافع في الرمادي تقاتل منذ شهور وفق بيانات وزارة الدفاع، وهناك طائرات التحالف الدولي تقوم أيضاً بالمساعدة لكن المشكلة تكمن في مرحلة ما بعد «داعش».

انتشار

تنتشر على بعد 70 كيلومتراً من الرمادي قوات كبيرة من الفصائل في منطقة الكرمة غرب الرمادي، تقاتل من أجل تحرير الفلوجة جنوب الرمادي، ونجحت القوات الأميركية في إبعادها عن معركة الرمادي، لأنها ترفض التعاون معها في القتال. ويجري مسؤولون في السفارة الأميركية منذ أيام اجتماعات مستمرّة مع أعضاء مجلس محافظة الأنبار في مقر السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء ببغداد، والموضوع الأساسي دعم مقاتلي العشائر والتحضير لمرحلة ما بعد «داعش».