أعلنت العشرات من الفصائل المسلحة فرض حصار على مدينة عفرين السورية شمال حلب، وذلك بسبب خلافات بينها وبين فصيل «جيش الثوار» الذي اتهم بأنه هاجم وسيطر على قرى في ريف اعزاز، وهو ما نفاه الأخير. ورغم أن وحدات حماية الشعب و«غرفة فتح حلب» قد وقعتا اتفاق مصالحة فإن ألوية أخرى تواصل استهداف المدنيين في حي الشيخ مقصود في حلب، الذي تسكنه غالبية كردية. وهو ما أدى إلى سقوط أربعة شهداء بين المدنيين وعشرات الجرحى.

مراقبون يربطون حصار هذه المدينة بالمقاومة التي أبدتها مع تكرار محاولات فصائل عسكرية التقدم لاقتحامها، والتلويح بذلك بشكل متكرر، إضافة إلى اعتقالات تشمل المدنيين العائدين أو المغادرين من المدينة باتجاه حلب أو دمشق، بالإضافة إلى مخاوف من أن تقدم وحدات الحماية على فتح جبهة والتوجه نحو جرابلس، وهو ما يشكل أيضاً هاجساً تركية في ربط كوباني بعفرين، واعتبارات إعلان إقليم كردي على حدودها.

سيناريو كوباني

سيناريو كوباني بات يتكرر تدريجياً في عفرين إذاً، وإن كان في شكل مختلف، فمجموعات مسلحة أيضاً كانت قد فرضت حصاراً على المدينة في أول أغسطس 2013، وبعد شهر تم الاتفاق وفك الحصار جزئياً من قبل كل تلك الفصائل، عدا تنظيم داعش الذي رفض الهدنة، ولجأ إلى نصب الحواجز على الطريق الرئيسية «حلب - كوباني، الرقة» وتنفيذ الاعتقالات بين صفوف المدنيين، وخصوصاً المسافرين على حواجزه في مفرق جسر قرقوزاق، ومنبج، وجرابلس، وتل أبيض، ومن ضمن ذلك اعتقال 250 تلميذاً كانوا عائدين من الامتحانات في حلب، واعتقال حوالي 60 مدرساً، ومئات من الركاب المتجهين إلى الجزيرة، وغيرهم ولا يزال مصير غالبيتهم مجهولاً.

ولم يكتف التنظيم الإرهابي بذلك، بل قام بتنفيذ أول هجماته الإرهابية على الريف الغربي لكوباني وشن حربه الأولى في تل أبيض التي بدأت بحملة التطهير العرقية ضد الكرد، في 21 يوليو 2013، والهجوم على قرى ريف كوباني الشرقي واحتلال العشرات منها مع اعتقالات على الهوية، لتهدأ الأمور فترة في حرب كر وفر، مع حصار شبه كامل وتضييق على حركة المدنيين. واستمر ذلك حتى جاءت الحرب الأخيرة، حرب 15 سبتمبر، 2014 ليشن تنظيم داعش أكبر حملة عسكرية نجح خلالها في احتلال 400 قرية، وثلثي المدينة.

ظروف اقتصادية صعبة

ترزح المناطق الكردية في سوريا تحت ظروف قاسية، نتيجة الحرب التي يشنها تنظيم داعش و«جبهة النصرة» وفصائل أخرى من جهة، والحصار الخانق الذي تفرضه التشكيلات المتشددة المعارضة بالتعاقب، معطوفاً عليه الدور التركي السلبي والرافض لأي صعود لحزب الاتحاد الديمقراطي، وهو الموقف الذي ينسجم مع وجهة نظر الائتلاف المعارض الرافض لكيان «الإدارة الذاتية» الذي أعلنه حزب الاتحاد الديمقراطي، ويعتبره الائتلاف مشروع انفصال، في الوقت الذي يشدد المسؤولون الأكراد على أنهم يسعون إلى ترسيخ سوريا ديموقراطية موحدة ومتنوعة في آن، ويعملون لتعميم نموذجهم لسوريا المستقبل وفق قاعدة الجمهورية الديمقراطية والإدارة الذاتية المجتمعية.

وتقع المقاطعات الكردية الثلاث على الشريط الحدودي مع تركيا، مفتقرة إلى معابر رسميّة، وتؤكد الإدارة الكردية أنه «كان بإمكان الحكومة التركيّة التخفيف من آثار الحصار والحرب» والاستجابة للنداءات المحلية والدولية، وآخرها نداء من مجلس البرلمان الأوروبي الذي دعا إلى فتح ممر إنساني يُسهّل حركة المدنيين والمواد الغذائية والتجارية، زد على ذلك تشديد حرس الحدود التركي الرقابة على جميع المسالك غير الرسمية والتي تعتبر نافذة وحيدة أمام الناس، ولا يتوانى الجنود الأتراك عن إطلاق النار على من يحاول اجتياز الحدود، حيث تم توثيق 31 حالة وفاة منذ العام الفائت. و«كأن تهريب الاحتياجات الحياتية أخطر من إدخال الأسلحة والجهاديين» وفق توصيف أحد المتابعين.

الحياة داخل عفرين

مهما تكن الصورة قاتمة في بعض المناطق الكردية، فإن الحياة داخل عفرين تسير على ما يبدو بطريقة منظّمة، ولا شيء يوحي بتفكيك الشؤون العامة، حيث تحاول الإدارة بمؤسساتها وهيئاتها المتشكلة متابعة شؤون الحياة، وتحاول قدر المستطاع مساعدة الناس في احتياجاتهم اليومية بالحد الأدنى، فثمّة منظمات ومؤسسات تقف على تنظيم الخدمات وتدبير احتياجات عوائل الشهداء، والنازحين وذوي الاحتياجات الخاصة، وتحريك عجلة القطاع التعليمي، والقطاع الصحي، وتحسين مستوى الأمن عبر عناصر الشرطة «الاسايش» وإحالة معظم القضايا الشائكة إلى المحاكم المحلية، بالإضافة إلى الشؤون الخدمية، والاجتماعية المختلفة، وإن كانت القرى الشرقية، تعاني من قصف شبه يومي وهو ما يؤدي لسقوط شهداء بين المدنيين، وجرحى يتم إسعافهم للمشافي داخل مدينة كوباني، وكذلك بالنسبة للحي الكردي في حلب، الشيخ مقصود، فإن الحياة تسير برتابتها، وإن كانت قذائف المتشددين لا تهدأ، حيث سقط إلى الآن أربعة شهداء، و90 جريحاً، ورغم ذلك فقد احتفل السكان بعيد القديسة بربارا.