لا تزال المجزرة الإرهابيّة التي تسبّب بها التفجير الانتحاري المزدوج في برج البراجنة في الضاحية الجنوبية لبيروت ترخي بظلالها على المشهد اللبناني، وذلك من بوّابة التساؤلات عن مآل النمط الإرهابي الذي عاد يضرب في العمق اللبناني، وما إذا كان التفجير يؤذن بمواجهة قاسية جديدة مع الإرهاب، لاسيّما وأنّ استهداف التفجيرين الدمويّين في زمانه ومكانه والمحصلة المرتفعة التي حقّقها، أشّر بحسب مصادر إلى وجود نيّة واضحة لإلحاق لبنان بالساحات الإقليمية والدولية.
وفيما دانت عواصم العالم، أبدت الاستعداد للتعاون مع لبنان في مكافحة الإرهاب، كما جاء في برقية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لرئيس مجلس النواب نبيه بري.
وفي بيان صدر بإجماع أعضائه الــ15، دان مجلس الأمن الدولي بأشدّ العبارات التفجيرَين الانتحاريين، وعبّر عن تعاطفه الكبير مع أقارب الضحايا والحكومة اللبنانية، مؤكداً تصميمه على محاربة الإرهاب بكل أشكاله، ومشدّداً على ضرورة محاسبة المسؤولين والمنظّمين والمموّلين لمثل هذه الاعتداءات.
وأظهر التفجير التفافاً وطنياً واسعاً وقد يكون غير مسبوق شكلاً ومضموناً، فلا ربط سياسياً بين القتال في سوريا والتفجير، على غرار ما كان يحصل في مراحل سابقة، بل إصرار على تطوير التفاهمات السياسية من أجل إقفال كلّ الثغرات الموجودة.
حراك واسع
في السياق، تردّدت معلومات مفادها أنّ حراكاً عربياً ودولياً سيسجّل هذا الأسبوع تجاه لبنان، للبحث مع المسؤولين في سبل تعزيز الاستقرار والحؤول دون انزلاق الوضع الأمني إلى دوّامة ارتدادات الحرب السورية.
سياسياً، بدا واضحاً أن إصرار مجلس النواب على استكمال إقرار جدول أعمال الجلسة التشريعية، وإنجازه أول من أمس، كان بمثابة ردّ سياسي على أحد وجوه الاستهداف من خلال تكريس التسوية التي كانت سبقت الجلسة «تشريع الضرورة» ومهّدت لانعقادها وتمرير معظم بنود جدول أعمالها.
جلسة تشريعيّة
وإذا كانت المشاريع والاقتراحات المطلوبة دولياً قد أقرّت جميعها، كنقل الأموال عبر الحدود، وتبادل المعلومات الضريبية، والقانون المتعلّق بمكافحة تبييض الأموال الذي أقرّ مع جملة تعديلات، أبرزها الأخذ بتعريف جامعة الدول العربية للإرهاب، فقد تمّ التصويت على توصيات عدّة، ومنها ما يتعلّق بمنح المرأة المتزوجة من غير اللبناني حق الجنسية لأولادها، وتشكيل لجنة نيابية لمتابعة درس قانون الانتخاب.
وكانت جريمة التفجير حضرت في الجلسة التشريعية في ساحة النجمة وسط بيروت، ففضلاً عن جدول الأعمال الذي لحظ قانون مكافحة تمويل الإرهاب، دعا بري جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والأمم المتحدة ومؤتمر فيينا إلى محاربة الإرهاب وإعلان لوائح سوداء بأسماء أعضاء العصابات التكفيرية، وإعلان حرب عالمية عليها وعلى مواردها البشرية ومصادر تمويلها وتسليحها وممرّاتها عبر الحدود السيادية للدول.
كما دعا بري أشقاء لبنان وأصدقاءه إلى دعمه في مواجهة الإرهاب، وتقديم ما يلزم لقواه الأمنيّة والعسكرية من أسلحة وعتاد.
دعوات وحدة
من جهته، شدّد رئيس الوزراء تمام سلام على أنّ «مواجهة الإرهاب والمخططات الفئوية لا تكون فقط بالإجراءات الأمنية، إنما بالوحدة والمواقف الإنتاجية على مستوى عمل الحكومة».
وفي حين تقاطعت معظم وجهات النظر والمعلومات على أنّ ما حصل في الضاحية الجنوبيّة لبيروت يمكن أن يحصل في أيّ منطقة من العالم وأنّ الأمن تحت السيطرة، فإنّ الاهتمام السياسي بدأ ينصبّ على ما بعد التسوية التشريعية التي جنّبت لبنان العزلة الدولية، وأظهرت قدرة اللبنانيين على تخريج التفاهمات.
إلى ذلك وعلى الرغم من أنّ الجميع كان يتوقع أن ينعقد مجلس الوزراء بشكل عاجل، إلّا أنّه تبيّن وفق معلومات «البيان» أن لا جلسة في المدى المنظور، وأنّ رئيس الحكومة تمام سلام يفضّل التريّث حتى الثلاثاء المقبل، موعد جلسة الحوار بين الكتل النيابية.