من السابق لأوانه توصيف الهبّة الشعبية الجارية منذ أكثر من أسبوعين في الضفة الفلسطينية وقطاع غزة والمناطق المحتلة عام 48، من حيث ديموتها ومسارها والأساليب الكفاحية التي سينتهجها الفلسطينيون في حال استمرّت.
من العوامل التي إن رأيناها يمكننا الاستنتاج بأن ما يجري هو انتفاضة جديدة، ظهور قيادة ميدانية موحّدة، وإصدار بيانات متسلسلة تنظّم الفعاليات وتصهر الجهود في بوتقة واحدة في خدمة الهدف.
لكن ثمة سؤال مهم: هل تحوّل الهبّة الشعبية الفلسطينية إلى انتفاضة يعني أنها ستنجح في فرض نتائج سياسية حاسمة يسميها البعض «حلاً»، أو أنها ستفرض على الاحتلال أن ينسحب؟. حتى لا يتحوّل التحليل إلى شائعة ينبغي عدم الاستعجال، ذلك أن أياً من النتيجتين المذكورتين مشروط بتوفّر عوامل فلسطينية أولّها الوحدة الوطنية وتشكّل قيادة وطنية موحّدة، وعوامل عربية ودولية مؤاتية، مع التذكير أن العامل الفلسطيني هو الأهم، وهو الذي يفعّل العوامل الخارجية، وهذا يبرز الأهمية المصيرية لإنهاء الانقسام الفلسطيني.
انتفاضة البراق
من المجدي والمفيد العودة للتجارب السابقة وأخذ استخلاصاتها بعين الاعتبار ونحن نحاول أن نفهم مسار الفعل الفلسطيني المنتفض والمقاوم والمفاوض.
فالشعب الفلسطيني منذ وعد بلفور المشؤوم عام 1917، لم يتوقّف عن النضال ولنعد إلى بدايات المشروع الصهيوني، فثورة البراق سنة 1929 كان عنوانها رفض التهويد الصهيوني لحائط البراق باعتباره جزءاً من المسجد الأقصى ووقفاً إسلامياً خالصاً منذ أكثر من ألف عام، إلا أن اليهود وبعد محاولات متكررة، استطاعوا أن ينتزعوا من الباب العالي -السلطة العثمانية آنذاك- فَرَماناً يبيح لهم الصلاة عنده وإقامة شعائرهم أمامه، وحافظ الاستعمار البريطاني على سريان ذلك الفرمان الذي أفضى في النهاية إلى سيطرة الصهاينة على الحائط تماماً، رغم سقوط مئات الشهداء والجرحى وزج المئات في السجون البريطانية.
الثورة الكبرى
الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939) كانت محطة بارزة في حركة النضال الوطني الفلسطيني ضد الصهيونية والاستعمار البريطاني منذ أواخر القرن التاسع عشر، ومثّلت نقلة نوعية في أعقاب هبة البراق.
كان عنوان تلك الثورة وقف الهجرة اليهودية، ومنع بيع الأراضي واغتيال باعة الأرض والسماسرة والجواسيس، والتصدي لمشروع التقسيم الذي كانت بريطانيا تمهّد لتنفيذه، وإعلان استقلال فلسطين ضمن وحدة عربية شاملة.
اعتمدت ثورة «36-39» أسلوب الكفاح المسلح، في مواجهة الاستعمار البريطاني، وبعد ثلاث سنوات على تلك الثورة، ورغم التضحيات واستعداد الجماهير الفلسطينية للاستمرار، استجابت القيادة التقليدية الفلسطينية لمطالبة النظام العربي الرسمي بإنهاء الإضراب، من دون أن تتحقق أهداف الثورة، وكانت سبقت الثورة محاصرة وإجهاض حركة المجاهد السوري عزالدين القسام واستشهاده عام 1935.
ومع النهاية الدرامية للقسام ولثورة السنوات الثلاث، كانت العصابات الصهيونية قد تحوّلت إلى «دولة» لا ينقصها سوى الإعلان، الأمر الذي تحقق عام 1947 عبر قرار التقسيم.
انتفاضة ديسمبر
في 28 نوفمبر 1987 نفذت مجموعة من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة، عملية باستخدام طائرة شراعية لأول مرّة. ونجحت المجموعة في الهبوط في معسكر لجيش الاحتلال الإسرائيلي، وقتل عدد من جنوده والعودة للأجواء، إلا أن «إسرائيل» تمكنت من إسقاط إحدى الطائرات الشراعية الأربع ليستشهد خالد أكر.
بعد نحو أسبوع، أي في 6 ديسمبر، أقدمت سيارة عسكرية لجيش الاحتلال على سحق سيارة عمال فلسطينيين من مخيم جباليا، ليستشهد أربعة منهم وتتسع النيران لتعم الأراضي الفلسطينية في 9 ديسمبر واستمرت حتى عام 1993، عندما وقعت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية اتفاق أوسلو.
تلك الانتفاضة نجحت في تحويل هدف إقامة دولة فلسطينية من الممكن التاريخي إلى الممكن الواقعي، لكن تلك الإمكانية أجهضت من خلال قطف «العنب وهو حصرم»، حيث نجح اتفاق أوسلو في إنهاء الانتفاضة، وفشل في إقامة الدولة.
النفق والأقصى
بعد سنة من إقامة السلطة الفلسطينية، قتل أحد الإسرائيليين رئيس الحكومة إسحاق رابين، وانتخب بنيامين نتانياهو بعدما فاز على «العمالي» شمعون بيريز. نتانياهو دشّن ولايته بالإعلان عن حفر نفق تحت المسجد الأقصى، فهب الشعب الفلسطيني دفاعاً عن المسجد الأقصى والقدس، وسقط في بضعة أيام عشرات الشهداء ومئات الجرحى، واعتقل الاحتلال مئات الفلسطينيين.
ورغم أن تلك الهبّة القصيرة كانت حلقة من حلقات النضال الفلسطيني التي أثبت فيها تمسكه بأرضه ومقدساته، وقدم من أجل ذلك أرواح أبنائه، إلا أن تلك التضحيات ومثلها الهبّات المتكررة تضامناً مع الأسرى، لم توقف حفر النفق، مثلما لم توقف بعدها إقامة مستوطنة جبل أبو غنيم وعشرات المستوطنات الأخرى.
وعندما رتّب شارون وباراك تلك «الزيارة» التهويدية التي قام بها الأول للمسجد الأقصى، وارتكاب المجزرة بحق المصلين، كان الرد اشتعال انتفاضة منذ 20 سبتمبر 2000، التي كانت الأشد دموية، حيث استخدم فيها الجيش الإسرائيلي كل أسلحته باستثناء «النووي».
ورغم حدوث العديد من جلسات التفاوض بين السلطة وإسرائيل، إلا أن شيئاً لم يتغيّر على الأرض إلا باتجاه زيادة الاستيطان والتهويد والقتل والاعتقالات.
في هذه اللحظات ليس معلوماً إلى أي مدى ستأخذ الهبّة الحالية مساراً دائماً، وإلى أي مدى سينجح الشباب المنتفض في تشكيل بنى قيادية هرمية تقود الفعل الانتفاضي وتنظّمه وتجنّبه العشوائية.
