أن تجتمع المكونات السودانية داخل السودان أو خارجه لم يكن مشهداً نادر الحدوث، ولكن اجتماع أطراف الصراع في طاولة واحدة هو ما لم يحدث حتى الآن، ودائما ما تقود جلسات الحوار إلى اتفاقيات ثنائية تمثل اقتسام السلطة والثروة سقفها الأعلى، بينما تظل الأزمات جرحاً متواصل النزيف، ولم تبرح دعوات الحوار الشامل شفاه مطلقيها، وعلى ذات النهج انطلقت جلسات الحوار رغم المقاطعة من أبرز الأحزاب والحركات وغياب الاتحاد الإفريقي راعي المصالحة .. انطلق الحوار وستستمر جلساته ثلاثة أشهر تزيد او تنقص ولكن يطل السؤال هل يفضي إلى سلام واستقرار سياسي، ام انه سيكون مثل ما سبقه ويكون الأمر تكراراً وتجريباً للمجرب وهل سيكون نهاية للعسل بين الخرطوم والاتحاد الإفريقي؟.

المشاركون في الحوار امتلأت بهم القاعة ولكن يبقى السؤال الذي يدور في ذهن كل متابع هل يمثل هؤلاء أطراف الصراع؟، وهل يمكن أن تقود مداولاتهم إلى نتائج تحل المشكلة، فالإجابة حتما ستكون بلا فحتى لو توصل هؤلاء إلى نتائج ستكون حبراً على ورق ما لم توقع عليها الأحزاب والحركات المسلحة، بل إنّ مراقبين يذهبون إلى أبعد من ذلك بأن لا جدوى من الحوار في ظل سيطرة المؤتمر الوطني على مقاليد السلطة، وهو الأمر الذي سيطعن في مدى حيادية الحوار، بجانب ان انطلاق الحوار بمكوناته الحالية سينعكس إيجابا على المعارضة وسيقوي حتماً من مواقفها.

حوار الذات

ووفق المؤشرات فإنّ فرص نجاح الحوار تبقى ضعيفة في ظل الغياب الكبير لقوى سياسية وعسكرية لها تأثيرها على واقع الأحداث، ما يجعل الأمر برمته لا يعدو كونه حواراً مع الذات باعتبار أنّ الحكومة تحاور حلفاءها، فليس هناك خلاف يذكر بين تلك المكونات، فمثلا حزب المؤتمر الشعبي وبعد ان اعلن خروجه من تحالف قوى الإجماع الوطني أصبح أقرب للحكومة منه للمعارضة، هذا ان لم يكن هناك صفقة سياسية ثنائية تمت بينه والحزب الحاكم اذا ما اخذت التسريبات التي راجت حينها بأن اتصالات مكثفة قادها نافذون من الحزبين من اجل التوافق، اما بقية الأحزاب السياسية التي شاركت فغالبيتها ان لم تكن جميعها لا تمثل أوزانا سياسية حقيقة يمكن المراهنة عليها.

تجريب المجرب

ويرى كثيرون أنّ القوى السياسية الرافضة ليس لديها تأثير على الشارع وفشل ونجاح الحوار ليست هماً كبيراً في هذا الوقت باعتبار أنّ الأحزاب غابت عن الشارع فترة طويلة، لكن هؤلاء يرون بضرورة الحوار والمصالحة كهدف استراتيجي وبالتالي يجب أن يسعى كل فريق للوصول إلى حل، فالحوار ليس به رابح وخاسر باعتباره ليس لعبة للورق، وإنما هناك ضرورة ان يحسب كل شأنه بحسابات دقيقة باعتبار ان المصلحة العامة تقتضي أن تكون هناك مصالحة، ولكن رغم محاولات التقليل من تأثيراتها على عملية الحوار فالأحزاب المقاطعة تظل هي الطرف الاخر الأساسي في الأزمة، باعتبار أنّ الصراعات السياسية التي يشهدها السودان ليست صراعات فيما بين الحكومة ومكوناتها بقدر ما هي صراع بين قوى حزبية لها فعلها في المعادلة السياسية، فأي حلول تتجاوز تلك القوى ستكون من باب تجريب المجرب وإنتاج نسخة أخرى من الفشل في معالجة قضايا البلاد.

غياب إفريقي

ولعل اللافت للانتباه هو الغياب الكامل للاتحاد الإفريقي، ذلك الغياب الذي يمكن أن يطرح استفهامات حول علاقة الحكومة بالاتحاد الإفريقي، وان كان غياباً متوقعاً بعد تجاهل المتحاورين لاسيما الحكومة قرار مجلس السلم والأمن الإفريقي الذي يدعو الحكومة إلى الامتناع عن أي أفعال من شأنها تقويض الثقة ويعرض إلى الخطر إمكانية إجراء حوار شامل للجميع وذي مصداقية في السودان، كما انه دعا إلى عقد اجتماع عاجل يسبق عملية الحوار الوطني يضم جميع الأطراف المعنية في مقر رئاسة الاتحاد الافريقي في أديس ابابا، لمناقشة المسائل الاجرائية المتعلقة بالحوار والاتفاق عليها.

دور عربي

مع غياب الدور الإفريقي عن قضية الحوار بدأ يتشكل في الأفق دور عربي، رسمت ملامحه الجامعة التي كثيرا ما كانت تقف تجاه القضايا السودانية على استحياء، ومن خلال مشاركة للامين العام نبيل العربي، فإن ذلك يشير إلى أن الجامعة أرادت ان تدخل إلى الملعب السوداني من خلال بوابة الحوار، وهذا ما تؤكده كلمة الأمين العام للجامعة العربية د. نبيل العربي، حيث اكد ان الجامعة لن تألو جهداً لدعم أي منبر يعزز من فرص تحقيق الاستقرار والسلام في السودان، وأن نجاح الحوار سيفتح نافذة امام نجاح حوارات وطنية مماثلة في عدد من الدول العربية التي تعصف بها حاليا اضطرابات وقلاقل.