مع اقتراب قوات التحالف العربي من صنعاء بعد استكمال تحرير محافظة مأرب، يعمد الحوثيون وحليفهم الرئيس المخلوع إلى تحويل المدينة إلى ثكنة مسلحة، دون اعتبار لمصير مئات الآلاف من السكان المدنيين.
تحالف الانقلابيين وبعد الهزائم المتتالية التي تعرضوا لها في عدن والضالع ولحج وأبين وأخيرا في مأرب وباب المندب، سحب معظم قواته إلى صنعاء وصعدة وبدأ هذا التحالف في إغراق المدينة بالأسلحة، وإقامة المتارس والخنادق حولها، وخصوصا المداخل الرئيسية التي تتواجد فيها معسكرات الحرس الجمهوري في الشمال والشرق والغرب والجنوب.
خنادق ووقود
وفي ظل ازدياد معاناة المدنيين بسبب النتائج التي ترتبت على الانقلاب، وتسخير كل إمكانات الدولة لخدمة ذلك المشروع، يقوم الانقلابيون بحفر الخنادق في المرتفعات المحيطة بصنعاء، كما يعملون على حشد القبائل المجاورة للمدينة، فيما تنتشر سيارات بيع الوقود في كل شوارع المدينة وبأسعار تزيد بثلاثة أضعاف السعر الرسمي لها حيث ارتفع سعر عبوة العشرين لتراً من البترول من ثلاثة آلاف ريال إلى خمسة عشر ألفاً، وسعر أسطوانة الغاز من ألف إلى ستة آلاف ريال.
وتواصل قوات التحالف التي تتقدم من مأرب باتجاه مديريات خولان شرق العاصمة، ومن اتجاه فرضة نهم شمال شرق المدينة، استهداف مواقع قوات الرئيس السابق التي تتمركز في هذين المدخلين، والمدخل الجنوبي في مديرية سنحان، ما رفع من وتيرة الخوف لدى الانقلابيين الذين باتوا يخشون أي تحرك شعبي لسكان المدينة للمطالبة بإنهاء معاناتهم، ولهذا قمعوا بشدة وقسوة كل محاولة للسكان لتنظيم احتجاجات مطالبة بتوفير المتطلبات الأساسية كغاز الطبخ والكهرباء والوقود.
حياة جحيم
شوارع مقفرة ووجوه يائسة ومحلات تجارية خاوية، تلك هي الصورة التي يمكن أن ترسمها لصنعاء بعد تسعة أشهر على انقلاب المتمردين الحوثيين والرئيس المخلوع على الشرعية، حيث تحولت حياة أكثر من ثلاثة ملايين يمني إلى جحيم ولا تزال تكدس الأسلحة وسط الأحياء السكنية وتتخندق في المرتفعات المحيطة بها في مسعى جديد لمنع تحريرها كما حصل مع بقية المحافظات.
ومع نزوح عشرات الآلاف من السكان من المدينة إما بسبب فقدانهم لأعمالهم وعدم قدرتهم على مواجهة تكاليف الحياة اليومية فيها واضطروا للانتقال للعيش في الأرياف، أو بسبب المخاوف من الحرب بعد أن حول الحوثيون وصالح المساكن والأحياء إلى مخازن للأسلحة، ووزعوا الآلاف من المسلحين وسط المدنيين.
شلل مؤسساتي
الوزارات والمصالح الحكومية تبدوا شبه خالية لأن العاملين فيها ومنذ أن استولى عليها الحوثيون وقوات صالح لا يذهبون إلى أعمالهم لأن الرواتب في ظل الانهيار الاقتصادي الكبير والارتفاع الجنوني في أسعار المشتقات النفطية لم تعد قادرة على تغطية نفقات الانتقال، كما إن القضاة توقفوا عن العمل بعد أن حاول الانقلابيون تعيين موالين لهم في الجهاز القضائي والنيابة العامة، ولأن المسلحين الحوثيين يتولون إدارة أقسام الشرطة والأمن وارغموا أفراد الشرطة على تنفيذ تعليماتهم خلافا للقوانين.
ويتوزع المسلحون الحوثيون في صنعاء على مربعات المدينة يقمعون من يخالفونهم، وأصبح الانتماء لهذه الجماعة تصريح مرور لفعل ما تريد دون أن يكون لأي حد القدرة على محاسبتك، يرصد منتسبو الجماعة تحركات السكان بمساعدة من عناصر المخابرات الذين احتفظوا بولائهم للرئيس السابق، ومسؤولي الأحياء حيث يتم حصر السكان ومراقبتهم، ومعرفة من يتردد عليهم، كما إن الهواتف خاضعة للمراقبة، كتابات النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي التي باتت الوسيلة الوحيدة للتعبير بعد إغلاق الصحف وحجب المواقع الإلكترونية موضع رقابة دائمة، وتعرض الكثيرون للاعتقال والإخفاء بسبب تلك الكتابات.
استغلال وسطو
واختفت البضائع من الأسواق بسبب توقف الاستيراد إما للارتفاع الكبير في سعر الدولار، وارتفاع أجور الشحن والنقل، أو لإغلاق المنافذ الحدودية التي كانت الممر الأساسي لدخول احتياجات اليمن من البضائع والمنتجات، كما إن انقطاع الكهرباء بشكل كامل منذ شهور عدة ساهم في وقف استيراد مشتقات الألبان، فاختفت من الأسواق بشكل كامل وبدت المحلات التجارية الكبيرة فارغة إلا من بعض المعلبات التي كانت موجودة في المخازن من قبل.
ارتفاع أسعار الوقود والسلع والمنتجات، وانهيار العملة، قابله نقص شديد في المواد التموينية حيث إن سيطرة الانقلابيين على ميناء الحديدة وهو الميناء الوحيد الذي تدخل منه احتياجات المحافظات الجبلية وخصوصا من ذمار وحتى صعدة، شجع بعض الجشعين على رفع أسعار القمح والدقيق.
مقاه
مقاهي صنعاء الحديثة منها والتقليدية التي اشتهرت بالحيوية والنقاشات حول القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية أضحت فارغة من الرواد، والكثير منها أغلقت أبوابها، كما أن دواوينها التي تزخر باللقاءات الثقافية والاجتماعية، وتتساوى فيها كل فئات المجتمع تحولت إلى تجمعات للساخطين من نتائج الانقلاب، أو الموالين له، وعرف الشارع اليمني النقاشات القائمة على المعتقد والانتماء الجهوي بصورة لم تكن تعرفها حياة اليمنيين منذ الإطاحة بنظام حكم الأئمة في ستينات القرن الماضي.
