في سياق فرض التوافقات السياسية وبتّ الملفات العالقة، وفيما الجمهورية اللبنانية تتآكل في دوّامة الفراغ الشامل، من الرئاسة إلى مجلس النواب فالحكومة، سجّلت الجولة الرابعة من جلسات الحوار الوطني اللبناني، يومَي الثلاثاء والأربعاء الفائتين، اختراقاً متواضعاً في ملفّ رئاسة الجمهورية، بعد موافقة الأطراف المشاركة على حصر نقاش الرئاسة بمواصفات الرئيس.
وبعد أن أمضى المتحاورون 48 ساعة في البحث عن مواصفات الرئيس، ألغى رئيس مجلس النواب نبيه بري اليوم الثالث من الحوار الوطني، الذي كان مقرّراً أمس، ورحّل الجلسة إلى ما بعد عودته من رحلته إلى رومانيا وجنيف الأسبوع المقبل، محدّداً موعداً جديداً للحوار في 26 من الجاري.
وعشية دخول الفراغ الرئاسي يومه الـ501، استكمل المتحاورون البحث في مواصفات الرئيس المقبل للجمهورية، تمهيداً للانتقال إلى غربلة الأسماء التي تنطبق عليها تلك المواصفات، إضافة إلى دعم خطّة الوزير أكرم شهيّب لحلّ أزمة النفايات، مع مرور سريع على مسألة قانون الانتخاب الذي تناوله بري، مؤكداً ضرورة اعتماد النظام النسبي لأن الوضع لم يعد يحتمل إعادة إنتاج قانون أكثري، في حين لم تُسجّل تسوية الترقيات الأمنية أيّ تقدّم.
وفيما خرج بعض المتحاورين بانطباع مفاده أن لا إمكانية لإنجاز الاستحقاق الرئاسي راهناً، وأن لا قدرة للمتحاورين على ذلك، علمت «البيان» من مصادر مشاركة في الحوار أن كل الأطراف أبدت جدية أكبر في النقاش الذي تمحور، أول من أمس، حول الفارق ما بين الاتفاق على رئيس وعلى مفهوم الرئيس التوافقي.
في المقابل، لفتت مصادر سياسية متابعة لـ«البيان» إلى أن «ثنائيّة» الحوار بحثت في العلن في الملف الرئاسي، فيما دار في كواليسها همس حول سبل إنجاز تسوية الترقيات العسكرية، كممرّ إلزامي لمعاودة الحياة الحكومية المنتجة والعمل التشريعي في وقت واحد.
إلى ذلك، وفي ضوء ما شهدته الجولة الرابعة من الحوار، أدّت المماحكات إلى تطيير جلسة مجلس الوزراء، والتي كان مقرّراً انعقادها أمس، مع ترنح تسوية الترقيات وتلاشي مفاعيلها الحكومية والنيابية.
وفي هذا الشأن، بدأت المصادر الوزارية تتحدث عن صعوبة في إعادة العمل الحكومي، الذي يكاد يشبه مرحلة تصريف الأعمال، ذلك أن كل المخارج انهارت، من النفايات إلى الترقيات. أما الدعوة إلى جلسة لحلّ موضوع النفايات، فهي ليست مجدية ما دام المجلس عقد أربع جلسات في السابق واتخذ فيها قرارات لم تنفّذ.
تناقض المواقف
وكان الحوار دخل في تحديد مواصفات رئيس الجمهورية، في محاولة أمل المتحاورون من خلالها أن يعثروا على رئيس تنطبق عليه المواصفات المطلوبة في هذه المرحلة. وفي المعلومات التي توافرت لـ«البيان»، طرح كل فريق مواصفات مرشّحه أو مرشّحيه من دون أن يسمّيهم.
ومن دون تسجيل جديد بارز في المواقف، جدّد كل طرف تقديم تصوّره لمواصفات الرئيس المقبل، بدءاً من «الوسطي» و«المحايد» ووصولاً إلى «القوي بتمثيله» و«القوي بانفتاحه».
وفي حين حدّد تكتل «التغيير والإصلاح» مواصفات من دون أن يتردّد في التأكيد أنّها تنطبق على رئيسه النائب ميشال عون، وأيّده حزب الله، فإن كتلة المستقبل جاهرت، بلسان رئيسها فؤاد السنيورة، أنها لا تؤيّد عون، وأنها تتمسّك بالاتفاق على رئيس توافقي، وهو موقف لاقاه ممثلو «قوى 14 آذار» بالمثل، والذين أوحوا بأن اسم عون أصبح خارج التداول الرئاسي، لأن شرط التوافق الإلزامي لا ينطبق عليه، وذلك في موقف موحّد انطلق من أن الاتفاق على مواصفات الرئيس يتيح الذهاب إلى اختيار المرشح الذي تنطبق عليه هذه المواصفات، ومن ثم انتخابه، ثم الذهاب إلى ملفات الانتخابات والحكومة وغيرها. أما النائب وليد جنبلاط، فأشار إلى استحالة التوصل حالياً إلى اتفاق حول الرئيس.
وسط هذه الأجواء، برزت عوائق قانونية أمام تسوية الترقيات الأمنية وآلية اتخاذ القرار الحكومي، بعدما كانت المؤشرات أوحت بأن هذه التسوية تتقدّم.
وفي التفاصيل، تبيّن للمعنيين أن هذه الترقيات تحتاج إلى اقتراح يقدّمه وزير الدفاع ويتحوّل مرسوماً عادياً، يحتاج بدوره إلى توقيع كلّ من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزير الدفاع ووزير المال، ولا علاقة لمجلس الوزراء به.
ما يعني أن هذا المرسوم سيحتاج إلى توقيع 24 وزيراً وإلى اقتراح من وزير الدفاع حصراً. وعليه، فإنّ العمل على التسوية سيكون في اتجاه مختلف، إذ لم يعد في استطاعة مجلس الوزراء الوصول إلى تسوية كهذه، في حال تحفّظ عنها عدد من الوزراء.
وفي السياق، تجدر الإشارة إلى أن ترقية العمداء إلى ألوية تتمّ بتوصية من قائد الجيش وبمرسوم يحمل توقيع وزير الدفاع، وهو التوقيع الذي لا يزال يحجبه الوزير سمير مقبل، بطلب من الرئيس ميشال سليمان الذي يرفض الصيغة المطروحة، والتي تقضي بترقية ستة عمداء إلى رتبة لواء، ثلاثة منهم يعيّنون في المراكز الشاغرة في المجلس العسكري وثلاثة آخرون، من بينهم قائد فوج المغاوير العميد شامل روكز، على أن يسلّم قيادة الكلية الحربية.
في الموازاة، تردّدت معلومات مفادها أن أحد المخارج المطروحة، في حال عدم الاتفاق على الترقيات العسكرية، أن يصدر وزير الدفاع سمير مقبل قراراً بتأخير تسريح العميد روكز، لاسيما أن أسبوعاً واحداً تقريباً يفصل عن انتهاء خدمته، على غرار القرار الذي اتّخذه في شأن قائد الجيش العماد جان قهوجي وبعض الضباط الآخرين.
