أفريقيا، القارة السمراء أو السوداء أو أرض الذهب، مسميات للأرض التي يتحدث كثير من الدراسات عن أنها مهد البشرية وأمها الأولى، لا يختلف اثنان على أهميتها الاستراتيجية لجميع مكونات العالم وارتباطهم بها منذ القدم فهي مربط الطرق ومعبر التجارة وكذلك هي مخزن المواد الخام التي يحتاجها العالم لصناعاته المتعددة، ظلت القارة بإرادتها ودون جهد كبير من العالم العربي هي حديقته الخلفية وارتبطت حركات التحرر الإفريقية بالأنظمة العربية في فترة الستينيات والنصف الأول من سبعينيات القرن الماضي إذا نجد معظم القادة الأفارقة الملهمين عاشوا لفترات من عمرهم في العالم العربي ومن قتل منهم اختارت أسرته دولاً عربية للعيش فيها وظل هذا الارتباط الوجداني بين إفريقيا جنوب الصحراء والعالم العربي مستمراً غير أنه ومنذ نهاية التسعينيات بدأ هذا الارتباط يتراجع ودخلت أيدٍ خفية تعمل في صمت لكن بدأب شديد في غمرة انشغال العالم أجمع بتداعيات الحرب العالمية الثالثة التي تجرى أحداثها الدامية في العراق والخليج العربي تتوغل «إسرائيل» ووفق خطط استراتيجية طويلة المدى في القارة الإفريقية لتهدد وبقوة الأمن القومي العربي ولتحاصر كل إمكانات المساندة للقضايا العربية العادلة.

شهدت العلاقات الإسرائيلية الإفريقية تطوراً في العام 2003 تطوراً ملحوظاً، وبدأت إسرائيل تصل لدول ومناطق لم تكن تحلم يوماً أن يكون لها وجود فيها ويرجع الكثير من المراقبين هذا التطور لأسباب عدة، أولها إهمال الأنظمة العربية للقارة الإفريقية وعدم اهتمامهم بما يجري فيها من أحداث، في الوقت الذي ظلت إسرائيل تشكل حضوراً قوياً في كل أحداث القارة من بمساندة أميركية كبيرة وسبب آخر لهذا التطور هو الغزو الأميركي للعراق، انطلاقاً من حقيقة أن إسرائيل شريك إستراتيجي للولايات المتحدة، ما وفر لها درجة كبيرة من حرية الحركة في تعاملها مع الدول الإفريقية ضمن إطار يسعى لتصوير تلك العلاقات على أنها جسر للتقارب مع القوة العظمى الوحيدة في العالم.

وبانتهاء العام 2014 وصلت إسرائيل إلى 46 دولة إفريقية من مجموع دول القارة البالغ 53، وأقامت معها علاقات دبلوماسية بمستويات متفاوتة تبدأ من التمثيل الكامل «سفارة وسفير» مع 11 وتمثيل عبر سفير غير مقيم مع 33 دولة بينما اقتصر التمثيل على مستوى مكتب رعاية المصالح على عاصمة واحدة وكذلك تمثيل على مستوى مكتب اتصال، علماً أن لإسرائيل 72 سفارة و13 قنصلية، و4 بعثات خاصة على مستوى العالم. مما يعني 48%من التمثيل الدبلوماسي الخارجي لتل أبيب تستحوذ عليه القارة الإفريقية في حين تبلغ نسبة العلاقات الدبلوماسية الإفريقية الإسرائيلية بالمقارنة مع نسبتها بالعالم 28%.

الاختراق الاقتصادي

ولعل الاقتصاد هو مدخل تل أبيب الأوسع للقارة الإفريقية بحسب العديد من المراقبين وتسيطر في علاقاتها الاقتصادية واستثماراتها المباشرة في إفريقيا على قطاعات اقتصادية محددة، فإلى جانب امتلاك وإدارة بعض المزارع، نجد أن «إسرائيل» استهدفت السيطرة على قطاع الصناعة الاستخراجية، حيث ركزت استثماراتها في استغلال الثروات الطبيعية الإفريقية وأهمها الماس في كل من الكونغو الديمقراطية وسيراليون وغانا وإفريقيا الوسطى واليورانيوم في النيجر، وإلى جانب الاستثمار المباشر الإسرائيلي في هذه الصناعات بشكل منفرد، فإنها قد لجأت إلى الدخول في مشاركة مع رأس المال الأجنبي الوافد إلى الدول الإفريقية بما لا يفوت عليها فرصة الاستثمار في تلك الصناعات الحيوية وتأتي أهمية الاستثمار في النشاط التعديني، أن هذه المعادن تمثل موارد اقتصادية قابلة للنفاد، فضلاً عن المحدودية النسبية للمعروض منها على المستوى العالمي، وأن المضاربة على المعادن النفيسة في أسواق المال العالمية في ظل وجود وفرة نسبية منها في «إسرائيل» بالإضافة إلى السيطرة المباشرة على الاستخراج من الحقول الإفريقية يمكن أن يحقق معه أرباحاً عالية.

الاختراق الأمني

تعتبر إثارة الصراعات الإقليمية، أحد أساليب العمل السياسي التقليدي التي اعتادت «إسرائيل» على انتهاجها، من أجل تحقيق أهدافها في إفريقيا ومن أهم الأمثلة على ذلك ما ذكره التقرير الاستراتيجي الإفريقي عن الدور الإسرائيلي في تصعيد الصراع في جنوب السودان، والحرب الأهلية في أنجولا، والصراع اليمني - الإريتري، وصراعات منطقة البحيرات العظمى في رواندا والكونغو الديمقراطية، سواء من خلال تزويد أحد طرفي الصراع أو الطرفين معاً بالسلاح، والمعلومات، والتدريب، والخبراء العسكريين، أو العمل على إفساد جهود التسوية السياسية من خلال الإيعاز لأطراف الصراع بضرورة الاستمرار في القتال مع التعنت في شروط التفاوض.