لم تشهد جلسات النقاش حول الخطة الطموحة للتنمية المستدامة التي تبناها قادة العالم في القمة، التي رعتها المنظمة الدولية بمقرها في نيويورك، خلافات جوهرية، بشأن مقاربتها للسياسات الاقتصادية والاجتماعية الواجب اعتمادها لمكافحة الفقر والجوع في العالم، خلال الأعوام الخمسة عشر المقبلة. ربما لأن هذه الخطة الأممية هي ثمرة مفاوضات استمرت ثلاث سنوات، رعتها الأمم المتحدة مع المسؤولين المعنيين وممثلي كل دول العالم، أو لأنها تأتي بعد النتائج الجيدة التي حققتها أهداف تنمية الألفية، التي أقرتها الأمم المتحدة في العام 2000، حيث انخفض عدد الفقراء الذين يعيشون بمستوى دخل تحت 1.25 دولار يومياً من 1.9 مليار في العام 1990 إلى 836 مليوناً في 2015، على أن ذلك لا يعني أن مسألة تأمين تمويل هذه الخطة المستقبلية، التي تتجاوز كلفتها مليارات الدولارات بات أمراً محسوماً، وأن الاتفاق قد تم على حجم مساهمة البلدان الغنية في مساعدة الدول الفقيرة.
وكأن وجهات النظر حول التنمية البشرية ومحاربة الفقر على الكرة الأرضية باتت أمراً لا يحتمل النقاش، وأصبحت محل إجماع عام لا تنغصه الخلافات الأيديولوجية والمصالح السياسية، فكلام بابا الفاتيكان في جلسة افتتاح القمة يشبه إلى حد بعيد خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما وكلمات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أو وزير الخارجية السعودية عادل الجبير في جلستها الختامية.
حرب على الفقر
الكل أجمع على محاربة الفقر وتأمين الرعاية الصحية والتعليم وفرص العمل والمساواة ومواجهة مخاطر تغير المناخ في العالم، مع أهمية النقطة الجوهرية التي أثارها الوزير السعودي حول صعوبة تحقيق التنمية المستدامة للشعوب التي مازالت ترزح تحت نير الاحتلال، ودعوته للمجتمع على إزالة المعوقات أمام الشعوب المحتلة، وخاصة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والأراضي العربية المحتلة.
كما يسجل للرئيس الأميركي وفائه لإرثه الأفريقي وتبنيه خطاب الفقراء في العالم وتعهده بأن الولايات المتحدة ستلعب دوراً قيادياً في تنفيذ هذه الخطة، مع إقراره بمسؤولية الدول الغنية عن انتشار الفقر والجوع في العالم وقوله: إنه عار أخلاقي على البشرية أن يعيش 800 مليونا من الرجال والنساء والأطفال على أقل من دولار و25 سنتاً في اليوم وأن يكون مليارات الأشخاص مهددون بالموت من أمراض يمكن علاجها.
قضية لاجئين
قضية اللاجئين وخصوصاً السوريين فرضت نفسها على جدول أعمال القمة، وحضرت بقوة في كلمات القادة الأوروبيين والعرب، الذين أجمعوا أن مخاطرها التي باتت تهدد القارة الأوروبية تشكل حافزاً مقنعاً للدول الغنية على تقديم المساعدة الإنسانية لهؤلاء اللاجئين والعمل الجدي والسريع من أجل إيجاد تسوية سياسية في سوريا تضمن حياة آمنة وكريمة للشعب السوري في وطنه.
خلال الأيام الثلاثة التي استغرقتها أعمال قمة التنمية المستدامة احتل الفقراء صدارة المشهد في الأمم المتحدة. وبدا مقر المنظمة الدولية والشوارع المحيطة به وكأنه كيان مستقل لفقراء أفريقيا وأميركا الجنوبية وآسيا في نيويورك عاصمة الرأسمالية الغربية، وإذا تجاوزنا المبررات الأمنية ومخاطر شن هجمات إرهابية تستهدف كبار زعماء العالم، فإن الإجراءات الأميركية المشددة، ومشاركة آلاف رجال الشرطة في إقامة طوق أمني حول المقر الأممي ومنع الدخول والخروج منه، يعبر من زاوية أخرى عن هواجس الأغنياء وخوفهم من شعوب العالم الفقيرة.
أن يتفق أغنياء العالم مع وجهة نظر فقرائه على ضرورة العمل سوياً من أجل محاربة الفقر والجوع أمر جيد، ويبنى عليه مستقبل واعد للإنسانية، لكن العبرة في التنفيذ والتزام الأغنياء بتعهداتهم، لأن وجهات النظر والخطابات الرنانة لا تطعم خبزاً للفقراء.