تتجه تونس إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي في ظل تجاذبات حادة بين مكونات الائتلاف الحاكم ربما تؤدي في القريب العاجل إلى انفراط عقده بخروج حركة «نداء تونس» المتهمة باختراق الإسلاميين لصفوفها والعبث بها بغرض إحداث تصدعات داخلها.
وقال الوزير لدى رئاسة الحكومة المكلف بالعلاقات مع مجلس نواب الشعب والقيادي بحزب حركة نداء تونس محمد الأزهر العكرمي، إن الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحاكم تعمل ضدّ بعضها عوض العمل مع بعضها، الأمر الذي سينعكس على طريقة تسيير البلاد بطريقة أو أخرى، مشيراً إلى وجود مساع لإنهاء مشاركة نداء تونس في الحكم على حدّ تعبيره.
خلافات
يأتي ذلك في ظل جدل واسع تشهده تونس حول الخلافات بين أجنحة حركة نداء تونس وخاصة بين الرافد «الدستوري» بقيادة حافظ قائد السبسي الذي يشغل منصب نائب رئيس الحركة والرافد المحسوب على اليسار رغم تبنيه المنهج الليبيرالي والذي يتزعمه حالياً الأمين العام للحزب محسن مرزوق، وقد وصل الأمر الى حد تبادل العنف داخل اجتماعات لأنصار نداء تونس، بينما يشير المراقبون الى وجود يد لحركة النهضة في محاولة ضرب النداء، وإحداث تصدعات داخله، خصوصا مع ميلاد ما يسمى بـ«منتدى العائلة الدستورية» الذي ينطلق من داخل نداء تونس، معتمدا على فكرة النبش في التاريخ، والعودة الى شخصية المصلح عبد العزيز الثعالبي (1876 - 1944) الذي كان وراء تأسيس الحزب الحر الدستوري في العام 1920 قبل أن يتولى الحبيب بورقيبة (1903 ـ 2000) تجديده في العام 1934 وقيادته في مرحلتي الكفاح من أجل الاستقلال وبناء الدولة الوطنية، علما أن حركة النهضة باتت تحاول التملص، ظاهريا على الأقل، من الانتماء الفكري لجماعة الإخوان المسلمين، وترويج أنها تعتبر الثعالبي أباً للمشروع الإصلاحي التونسي، وفي هذا الإطار يرى القيادي في حركة نداء تونس خالد شوكات أن الثعالبي يعتبر أباً للمشروعين الوطني والإسلامي في تونس، وأن حركتي نداء تونس والنهضة تتفرعان عنه.
ويقول المحلل السياسي التونسي عبد الجليل معالي إنه حين يقول زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، «نحن والدستوريون جدّنا واحد، والشيخ الثعالبي شخصية وطنية كبيرة ظُلمت وهو مؤسس الحركة الوطنية، وآن الأوان لإعادة اكتشافها من جديد وكذلك الحركة الإصلاحية في القرن التاسع عشر»، فهذا بحسب عبد الجليل يتطلب التدبر والاستجلاء خاصة في جزئه الأول، الحامل لإعلان الاشتراك مع الدستوريين في الجد المؤسس.
وحين تشق حزب نداء تونس صراعات سياسية قوامها الاختلاف حول «الأب الشرعي» للحزب، هل هو الشيخ عبد العزيز الثعالبي أم الحبيب بورقيبة، الذي انسلخ وصحبه عن الثعالبي لينشئ حزبه الدستوري الجديد في العام 1934، فإن هذا الأمر، بدوره، جدير بالبحث والتقصّي، عن دواعيه ومعانيه.
مضيفا أن «النهضة تقر بالجد المشترك مع النداء، الذي تشقه من جهته صراعات حول المرجعية أو الأب المؤسس، بين قسم يقول إن الحزب سليل البورقيبية، بكل ما يرمز إليه بورقيبة من حداثة وتأسيس، وقسم ثان يعيد الأمر إلى البدايات ويعتبر أن النداء صدى للتجربة الدستورية الأولى في نسخة عبد العزيز الثعالبي، مؤسس الحزب الحر الدستوري التونسي عام 1920».
استدعاء
ويشير معالي الى أن «في استدعاء الدستورية القديمة، لدى النهضة كما لدى النداء، قفز مقصود على مراحل عديدة من تاريخ البلاد المعاصر. تقفز النهضة على ميراثها الذي طالما فاخرت به، بل كان مفصلا أساسيا من نضالها ومظلوميتها.
وتتجاوز، محليا، مرحلة الجماعة الإسلامية التي أقامت أول لقاءاتها التنظيمية عام 1972، ومرحلة حركة الاتجاه الإسلامي التي أعلنت عن نفسها عام 1981، قبل أن تتخذ ابتداء من فبراير 1989 من حركة النهضة اسماً لها.
قفزت النهضة، أيديولوجيا وفكريا، على انتمائها الإخواني، وتملصت من مرجعية حسن البنا وسيد قطب وغيرهما». ويردف معالي «الثابت أن البحث عن أبوة تاريخية أو عن نسب سياسي فعل مؤقت تكتيكي، سينتفي بزوال أسبابه».
اندماج
يرى المراقبون أن المرحلة القادمة في تونس قد تشهد إعلان اندماج بين الجناح السياسي لحركة النهضة والجناح القريب منها داخل نداء تونس للاستيلاء على ميراث حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، والذي تم حلّه بحكم قضائي في مارس 2011، وهو امتداد للحزب الدستوري الذي أسسه عبد العزيز الثعالبي في العام 1920 ثم جدّده بورقيبة في مارس 1934، ثم كان الحزب الذي تولى مهمة الحكم في تونس الى حين الإطاحة بنظام بن علي، ولكن تحت أسماء متعددة من بينها الحزب الاشتراكي الدستوري ثم التجمع الديمقراطي الدستوري، كما أنه الحزب الذي كان ينتمي إليه الرؤساء الثلاثة الحاليون : رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي ورئيس البرلمان محمد الناصر، ورئيس الحكومة الحبيب الصيد.
