فشلت المعارضة التونسية في تحشيد الشارع ضد مشروع قانون المصالحة واكتفت ببعض المئات من الذين تظاهروا السبت في شارع الحبيب بورقيبة في قلب العاصمة تونس، ما أثار حزمة من الأسئلة وعلامات الاستفهام والتعجّب.
ويرى المراقبون أن أغلب المحتجين كانوا من التيارات الثورية الراديكالية ومن قوى يمينية ويسارية متشددة، وعدد من الأحزاب التي خسرت في الانتخابات البرلمانية والرئاسية الأخيرة، إضافة إلى الجبهة الشعبية التي تمثّل أهم ائتلاف يساري في تونس.
وبحسب تقديرات وزارة الداخلية التونسية فإن عدد المتظاهرين في ثلاث مسيرات متتالية انتظمت أول من أمس لم يتجاوز ألف شخص، بينما كان وزير الداخلية تحدث عن تجنيد ألف رجل أمن في منطقة الاحتجاج ومحيطها لضمان عدم تسلل عناصر إرهابية بين المحتجين.
ويبدو أن منظمي الاحتجاجات شعروا بالحرج نتيجة ضعف الحضور الشعبي، ما جعل منجي الرحوي النائب بالبرلمان عن الجبهة الشعبية يصرّح بأن مسيرات السبت كانت مجرد تمرين وأنه ستتواصل كل يوم وكل أسبوع وكل شهر حتى يتم إسقاط قانون المصالحة، وفق تعبيره، مضيفاً أن قانون المصالحة لا شعبي وهو يحمي الفاسدين الذين أضروا بمصالح التونسيين وقوتهم، وأن الشارع لن يهدأ حتى سقوطه.
وبحسب المحلل السياسي محمد الحمروني فإن حجم التحرك المناهض لقانون المصالحة الوطنية لم يكن في مستوى التصريحات الصحافية والتهديدات التي أطلقها منظموه، مرجحاً أن مستقبل المعارضة في تونس لا يبشر بخير. وقال إنّ لقاء زعيم الجبهة الشعبية حمة الهمامي بالرئيس الباجي قايد السبسي قبل يوم من المسيرة أضعف حظوظ نجاحها وجاء عكس التيار، وفق تعبيره.
ويرى المحلل السياسي جمعي القاسمي أن مسيرات السبت أكدت أن الطبقة السياسية في تونس منفصلة عن الشارع، وأن الأغلبية الساحقة من الشعب اختارت الصمت بعد أن خاب أملها في الشعارات التي تمت خلال الأشهر الأولى من سقوط النظام السابق، كما أن الصراع بين ما يسمى بالثوار والفلول بقي في ذهن نسبة قليلة من محترفي السياسة، وهو ما يعتبر ظاهرة ليس في تونس فقط وإنما في كل الدول التي عرفت ما يسمى بالربيع العربي، حيث تبين أن الشعوب تميل الى مؤسسات الدولة، وتهتم بحاجات اليوم التي لن تتحقق إلا في ظل الأمن والاستقرار.
لا مبالاة
وفي ذات الأطار، يجمع المراقبون المحليون على أن عموم الشعب التونسي غير مهتم بملف العدالة الانتقالية الذي تحاول المعارضة أن تجعل منه هاجساً وطنياً، وذلك لأسباب عدة منها غياب الثقة بين الشارع والنخب السياسية، واكتشاف التونسيين أن الإطاحة بالنظام السابق لم تخدم الدولة والمجتمع بقدر ما خدمت قوى الإسلام السياسي، كما أن أغلب من يسيّرون دفة الحكم اليوم في البلاد، هم من أبناء النظام السابق، أو من الذين تعاملوا معه، ومنهم الرئيس الباجي قايد السبسي، ورئيس الحكومة الحبيب الصيد، ورئيس البرلمان محمد الناصر، وأن هذا الوضع الذي فرضه نفسه، هو الذي دفع حركة النهضة الى أن تستظل بحركة نداء تونس وتحاول الإبقاء على حظوظها عبر التوافق معها، ولو عبر الانقلاب على شعاراتها السابقة، خصوصاً بعد فشل المشروع الإخواني في عموم المنطقة.