في لبنان يستطيع أي شخص أو حزب أو جماعة، قائمة أو ناشئة، أن يرفع شعاراً مطلبياً ما ليجد هذا الشعار صدى لدى فئات واسعة. هذا البلد المتعدد يحمل على متن مساحته الصغيرة كمّاً هائلاً من التناقضات وإرثاً ثقيلاً من الصراعات والحروب الأهلية لدرجة أن كثيرين ممن يزوروه لا يصدّقون أن هذا البلد الجميل هو نفسه الذي تابعوا فيه لسنوات عديدة حروباً داخلية طاحنة، فضلاً عن أطنان القنابل والصواريخ التي ألقتها آلة العدوان الإسرائيلية المتكررة عليه.
وتشاء الأقدار أن يشهد البلد الذي يلقب بـ «سويسرا الشرق» تظاهرات عنوانها الاحتجاج على انتشار النفايات في شوارعه بقيادة حملة تطلق على نفسها اسم «طلعت ريحتكم». كل ذلك يتزامن مع أو يتوّج فترة ليست قصيرة يمر بها لبنان بلا رئيس، الأمر الذي وضع البرلمان في دائرة التصويب، باعتبار أنه المؤسسة المناط بها انتخاب رئيس البلاد بعد توافقات حزبية وطائفية لم تجد طريقها إلى النور بعد.
من وراءه؟
الانقسام السائد في البلد سحب إلى ميدانه خلافاً بشأن التحرك الراهن، فهناك من اعتبر أن وراءه سفارات غربية ومن حذّر من استغلاله من جانب أحزاب نافذة لمصلحة أحد المرشحين لرئاسة الجمهورية.
لا غرابة في هذا الجدل إزاء حراك يتوسّع كل يوم، بل من الطبيعي أن تتسابق أطراف عديدة على استغلاله، إما بمحاولة ركوب الموجة بما يقترب من تبنيها، أو باللجوء لتخوين القائمين عليه، رغم إشارة بعض المراقبين إلى أن بعض الوجوه التي طافت على سطح هذا الحراك، ظهرت في تحركات مطلبية سابقة، ومنها «الشعب يريد إسقاط النظام الطائفي» العام 2011.
الغريب أن السيرة الذاتية لبعض الوجوه البارزة في توجيه دفّة الحراك، تصلح لكلتا الرؤيتين المدافعة عنها والمتهمة لها، فمثلاً أحد الوجوه عمل مع مركز الديمقراطية المستدامة ومنظمة غرينبيس والمساعدات الشعبية الدانماركية ومعهد صحافة الحرب والسلام، ومع الأمم المتحدة في ليبيا، وتعاون مع مؤسسات إعلاميّة محليّة، مجلة فورين بوليسي اختارته من ضمن أكثر سبعة أشخاص تأثيراً على الانترنت في الشرق الأوسط، وهذا كلّه يصب في خانتي الرؤيتين المتضادتين.
محاذير التقييم
بعد مرور قرابة خمس سنوات على بدء الأحداث التي تعصف ببعض الدول العربية والتي يروق للبعض تسميتها بالربيع العربي، ينطوي تقييم أي حراك على محاذير مشروعة، فالشعارات الظاهرة والمعلنة، مهما كانت محقّة، لا تكفي وحدها للحكم على إيجابية الحراك، ناهيكم عن اعتباره ثورة، وهي عملية لها شروطها التاريخية وعواملها الذاتية والموضوعية، وأهمها القيادة الواعية والبرامج البديلة.
مع ذلك ينظر بعض المحللين إلى مطلقي حملة «طلعت ريحتكم» باعتبارهم أصحاب مطالب عابرة للطوائف والاصطفافات الحزبية، فضلاً عن كونها مشروعة ومحققة وتلامس صلب استحقاقات الحياة الآمنة، حين يتعلّق الأمر بالصحة العامة.
لكن ما هو مؤكّد أن اشتمام «الرائحة» في شعار «طلعت ريحتكم» يتجاوز الاعتبارات البيئية الصرفة ويحلّق بامتياز في فضاء السياسة والسياسيين الذين تنظر إليهم شريحة وازنة في لبنان، على الأرجح، باعتبارهم فاشلين ولم ينجحوا سوى في تكريس النظام الطائفي والمحاصصي الموروث عن حقبة الاستعمار الفرنسي.
صحيح أن الشعار خرج من منطقة «الزبالة» وعزف على إيقاع الشعار إياه «الشعب يريد إسقاط النظام»، لكن الأصح أن الحراك اللبناني يبقى حتى اللحظة سلمياً وحضارياً، رغم حدوث بعض أعمال العنف التي تبرأ منها مطلقو الحراك، بل وانسحبوا من بعض الساحات التي شهدت أحداث عنف وتخريب.
من المؤكد أن هتافات تطالب باستقالة وزير البيئة محمد المشنوق تظهر مشهداً مضاداً للأجساد المشنوقة والبيئة العابقة برائحة الدماء وقيم ما قبل الجاهلية. وإذا استمر هذا الحراك سلمياً وعابراً للطائفية والمذهبية، فإنه سيضع الأسس السليمة للبنان الكرامة والشعب العنيد.
مبادرة
أزمة إدارة القمامة في لبنان كانت سبباً في ظهور مبادرات لإعادة تدوير النفايات. وتعمل مؤسسة سيدر للبيئة مع بلديات محلية لزيادة وعي الناس بشأن إعادة التدوير، ولمساعدة اللبنانيين على فرز القمامة في منازلهم. فهل حل مشكلة النفايات ينهي مشاكل السياسة؟
