بدا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي دقيقًا حين أكد خلال لقائه مع عددٍ من المفتين وكبار علماء الدين المشاركين في المؤتمر العالمي الذي نظمته دار الإفتاء المصرية في أغسطس 2015، أهمية تعظيم دور هيئات الإفتاء لتصبح المرجعية الوحيدة لإصدار الفتاوى، بما يساهم في تحقيق استقرار المجتمع ومواجهة الإشكاليات التي تواجه الفتاوى وأهمها تدخل غير المتخصصين لإصدار الفتاوى، بما يؤدي إلى حدوث انقسامات مجتمعية تهدد أمن وسلامة المواطنين وتؤثر سلباً على عمليات التنمية الجارية.

تلك الزاوية التي التفت إليها الرئيس السيسي وشدد على أهميتها مطالبًا علماء الأمة بالقيام بدورهم في هذا الإطار، تعتبر من أهم وأبرز الإشكاليات التي تهدد ثقافة التعايش والتسامح، حيث إن موجة الفتاوى الدينية غير المسؤولة والصادرة من غير جهات الاختصاص مع انتشار الفضائيات الدينية أو البرامج الدينية والمساجد غير التابعة للمؤسسات الدينية الرسمية وكذلك الخطباء غير الحاصلين على التصاريح اللازمة، كل ذلك دفع إلى بث روح الفتنة التي تتناقض مع ثقافة التعايش واحترام الآخر وتقبله.

تفشي ظاهرة

وانتشرت تلك الظاهرة في العالم العربي بشكل عام وفي مصر بشكل خاص، حتى وصل الأمر إلى عجز الدولة عن السيطرة على فوضى الخطاب الديني، ما أدى إلى انتشار الخطاب المتعصب المحرض البعيد تماماً عن صحيح الدين، الأمر الذي دفع الرئيس السيسي في كل بادرة وكل مناسبة تقريبًا ليؤكد على أهمية تجديد الخطاب الديني باعتباره آلية لضبط وتيرة الأوضاع الداخلية بما يقلل من فرص الإرهاب في استقطاب عناصر له من الأمة العربية مستغلًا تلك الأفكار المغلوطة التي تم الترويج إليها.

ومن جانبه، ذكر أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر الدكتور أحمد كريمة، ان ظاهرة فوضى الفتاوى قديمة حيث انتشرت بصورة كبيرة مع التقدم الهائل في التكنولوجيا والتوسع في القنوات الفضائية، الأمر الذي فتح المجال لتداول فتاوى غير مسؤولة ولا تستند إلى أسانيد شرعية سليمة، بعضها فتاوى مبنية على أسس طائفية.

تدفع إلى نبذ الآخر وخلق روح الطائفية، مؤكدًا أهمية تجديد الخطاب الديني واقتصار الفتوى على أهل الاختصاص من العلماء كي تتم مواجهة تلك الآفة الخطيرة التي تهدد المجتمعات العربية وتفتح الآفاق لأصحاب الفكر المتطرف والجماعات الإرهابية.

تطرف وإرهاب

وبدورها، رأت أستاذة علم الاجتماع الدكتورة إنشاد عز الدين أن فوضى الإفتاء في أمور الدين وعدم الانتباه لخطورة تلك الظاهرة من البداية هو ما أدى إلى انتشار الخطاب الديني المتشدد والمحرض والذي يثير بدوره النعرات العرقية والسياسية والدينية داخل المجتمعات الواحدة.

مما قد يؤدي إلى تفكك المجتمع الذي تنتشر فيه تلك الظاهرة غير الصحية، موضحة أنه لا بد وأن تكون المؤسسات الدينية الرسمية وحدها هي المختصة بالتحدث في شؤون الدين ولا يتم السماح لأي أحد بالخطابة أو الإفتاء دون تصريح من تلك المؤسسات، بعد أن يمر باختبارات جادة لقياس مدى تأهله لتلك المسؤولية، حيث إن الحديث في الشؤون الدينية ليس أمراً تافهاً أو عرضياً وله أهمية كبيرة يستمدها من تأثيره القوي على المجتمع وأحواله.