هناك رأي يقول إن الأكثرية هي التي تصنع الأقلية، إما بمنحها الامتيازات، أو بحرمانها من الحقوق، وللمنح أو الحرمان أثر واحد في النهاية، فمنح جماعة معينة امتيازات من أي نوع وأي درجة من شأنه أن يضاعف عزلتها عن الأخرى ويقوي لديها الشعور بالاختلاف والتمايز، ومن شأنه أن يولد لديها وضدها في الوقت نفسه نعرة دينية أو مذهبية أو قومية.
ويرى باحثون أن الظهور الكثير للأقليات، في العرق، التي ربما لم يكن بعضها موجوداً أو نادراً، بعد الغزو الأميركي في العام 2003، ربما يؤشر إلى نزعة مختلقة لشرذمة المجتمع، فيما نجد العكس أيضا، وهو اتاحة الفرصة للفرد في التعبير عن نفسه، وللجماعة عن نفسها، مهما كانت نسبة اقليتها.
مؤتمر بغداد
وفي هذا السياق، اعربت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق «يونامي»، في 10 - 12 من يونيو الماضي، عن أسفها لاستمرار تردي واقع الأقليات في العراق منذ عشر سنوات، وقال نائب رئيس البعثة جورجي بوستين خلال كلمة في المؤتمر الخاص بوضع خطة عمل وطنية للحفاظ على حقوق المجتمعات العرقية والدينية والثقافية المتنوعة في العراق، ان «الأمم المتحدة تهدف إلى الحفاظ على وحدة العراق كما هو، بكل مكوناته.
وإن تنظيم هذا المؤتمر يمثل مساهمة فعالة منها بغية تحقيق هذا الهدف»، كما ألمّح مدير مكتب حقوق الإنسان في بعثة «يونامي» فرانشسكو موتا إلى أن المأساة الكبيرة التي يواجهها العراق الآن تتمثل في هجرة الأقليات منه، مؤكداً أن عمليات العنف التي يقوم بها المتطرفون في البلاد تؤثر على جميع أبناء الشعب، وخصوصاً أبناء الأقليات منهم.
واقترح رئيس تحالف الأقليات العراقية غسان سالم خلال المؤتمر الذي اختتم أعماله يوم الجمعة 12 يونيو تأسيس مفوضية أو لجنة مختصة بالأقليات، يكون ارتباطها بمجلس النواب، لتتابع مدى تنفيذ المؤسسات الحكومية للتوصيات التي اتفق عليها العراق ضمن المعاهدات الدولية.
المواطَنة أولاً
وبمراجعة تاريخية لحالة حقوق الإنسان في الدول العربية وخصوصا العراق، تظهر انها متأخرة كثيراً في هذا الميدان، فالعراق كغيره من بلدان الشرق الأوسط عبارة عن مزيج من مختلف الأعراق والطوائف، يعيش فيه العرب والأكراد والتركمان والكلدوآشوريون والأرمن والشبك وغيرهم من المجموعات العرقية أو الدينية.
وإزاء هذه التركيبة، يشير متخصصون إلى أن مفهوم المواطنة الكاملة يبقى ناقصا دون منح الأقليات حقوقها، ولعل المشكلة الأساسية التي واجهت الأقليات في العراق هو ذلك الفهم الخاطئ لمعنى المواطنة الكاملة، الذي يرتكز على الحق في المساواة وعدم التمييز، «فمعنى الأقلية ومعنى المواطنة ليسا بديلين عن بعضهما البعض، وإنما هما عنصران يكمل أحدهما الأخر».
فوجود الأقليات في مجتمع عادل، لا يمنع إفراد هده الأقليات من ممارسة طقوسهم ومعتقداتهم وثقافتهم بشكل جماعي أو فردي ضمن خصوصية وطنية بغض النظر عن الخصوصيات الأخرى لمكونات المجتمع، لأن مفهوم الوطن يبقى اكبر من جميع المنتمين إليه، وعليه فإن حق الأقليات يقوم على تكامل المجتمع لا تفكيكه.
الأقليات دستورياً
وبحسب الباحثة سهيلة عبد الأنيس، فإن أي دولة اذا أرادت ان تحسم ولاء الأقليات المكونة لنسيجها، عليها أن تمنح هذه الأقليات حقوقها المشروعة وفق الدستور المقرر، ولكن في حالة العراق نجد أن الدساتير العراقية قد تجاهلت الإشارة إلى هذه الحقوق صراحة، انما أشارت إليها بشكل عمومي مموه، منذ الدستور العثماني 1876 الذي لم يشر إلى أي قومية أو ملة معينة، إلى دستور القانون الأساسي لعام 1935 الذي عمم نظرته للمساواة بين الأفراد حيث نص على انه «لا فرق بين العراقيين في الحقوق أمام القانون وان اختلفوا في القومية والدين واللغة»، ولكن المشكلة العظمى التي واجهت هذا النص هي المعايير الواجب توفرها لكي يعد المواطن عراقياً وليس «من رعايا دولة اخرى»، ويقصد بها هنا بشكل خاص «التبعية الإيرانية».
عُرف المساواة
ورغم ذلك، نجد أن العهود السابقة لم تميز بين العربي وغير العربي أو بين المسلم وغير المسلم من العراقيين، في الحقوق والواجبات، وكأن الأمر كان يجري عرفا اكثر منه نصاً قانونياً، فدستور 27 يوليو 1958 نص على الحقوق القومية ضمن الوحدة الوطنية، وعد الأكراد على سبيل المثال شركاء في الوطن، وكذلك الحال مع دستور 16 يوليو 1970.
ورغم ان دستور ما بعد 2003 ينص بالأسماء على ضمان حقوق كل من المسيحيين والأيزيديين والصابئة المندائيين، الا أن هذه الشرائح العراقية الثلاث اضافة إلى التركمان قد لحقهم الحيف والظلم جراء تلاشي الحد الفاصل بين «قوة القانون وقانون القوة».
وبهذا الخصوص يقول باحثون ان لفظ «قومية» هو لفظ مخادع، لأنه ليس مجرد لفظ وصفي، ولكنه لفظ دلالي، وعندما يكون للكلمات هذان الجانبان فإنها تصبح كلمات سياسية تستخدم في الصراع على السلطة، وقد أصبحت القومية مصدراً شرعياً مهماً لأساس اي دولة حديثة، ولذلك اصبحت دعاوى القومية اداة فعالة، واذا استطاعت مجموعة من الناس أن تجعل الآخرين يقبلون ما تدعيه بأنها امة، فيمكنها المطالبة بحقوق قومية واستخدامها كسلاح ضد الآخرين.
النسيج العراقي
ومن هذا المنطلق أشارت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق «يونامي» إلى ان الأقليات العراقية كانت تاريخياً وستبقى جزءاً لا ينفصل من العراق ونسيجه الاجتماعي لتُثري ثقافته وسياسته، وأن احترام الحقوق السياسية والقانونية للأقليات في العراق وضمانها هو أمر أساس لبلوغ مستقبل يسوده الاستقرار والديمقراطية في هذا البلد.
من جانبه، يرى المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية، ضرورة تجاوز المقولات التي تدعي ان العراق يكاد يكون البلد الوحيد في المنطقة والعالم الذي يضم أقليات كثيرة ومختلفة، لأن الواقع يبدد هذه المقولات التي انطلقت من جماعات حزبية واخرى فئوية سعت إلى تسويق أجندة معينة هدفها الطعن بالأغلبية السكانية للعراق، المتمثلة في عرب العراق.
وأيضا في تهميش عروبة العراق والتشكيك بهويته القومية، ونظرة عابرة إلى كثير من دول الإقليم والعالم نلحظ أنها تضم أقليات يفوق عددها ما يوجد في العراق قياسا إلى مساحته، غير أن التركيز على العراق واعتباره بلدا متعدد الأعراق والطوائف والهويات يأتي من منطلقات واضحة الأهداف يقصد منها تجزئة البلاد والتحريض على تقسيمها وانفصال اجزاء منها.
حقوق
توجد أقليات حقيقية في العراق تتميز عن الأغلبية العربية في بعض أو عدد من المتغيرات ولها حقوق عادلة ومشروعة، ولكن الصحيح أيضا أن بعض هذه الأقليات بالغ في هذه الحقوق في السنوات القليلة الماضية إلى درجة العدوان على حقوق الأغلبية والعمل على غبنها والتعالي عليها، ولم يعد الأمر يتعلق بحقوقها العادلة والمشروعة.
وإنما باتت القضية مجرد مشروع او مشاريع لتفكيك العراق باسم حقوق الإنسان تارة وبحجة اعتماد الديمقراطية والتعددية تارة اخرى، ومما فاقم مخاطر التفكيك ان دعاته ماضون في مشاريعهم ومخططاتهم، مع ادراكهم تماما ان ما يسمى بعملية التحول الديمقراطي في العراق الجارية الآن ليست صحيحة، ولم تنهج معايير سليمة في أدواتها وسياقاتها، بل انها قاصرة ومشوهة تحكمها وتتحكم بها المحصصات الطائفية والعرقية تماماً.
