قبل سقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي في العام 2011 كان من شبه المستحيل الحديث عن أقليات عرقية أو دينية أو مذهبية في ليبيا، واليوم تغيّر المشهد حيث بات الصراع الثقافي لا يقل عن العسكري حدة في واقع الليبيين وخاصة مناطق الغرب والجنوب حيث تتمركز أقليات الأمازيغ والطوارق والتبو والشركس وغيرهم، وتتداخل الحسابات السياسية والاجتماعية في ظل غياب الدولة وانهيار المؤسسات

وتزيد تشعبات الجغرافيا في غموض وضع الأقليات داخل ليبيا نظراً لامتداداتها العرقية في دول الجوار مما يثير مخاوف بعض تلك الدول من إمكانية ظهور نزعات انفصالية قد تمسها عن قرب، ويشجع دولاً أخرى على استغلال الوضع لفائدتها من خلال استعمال بعض الأقليات كعناصر تأثير لها داخل التراب والقرار السياسي الليبيين.

ويرى المراقبون أن وضع الأقليات قد يساهم في خدمة أجندات الجماعات الإرهابية وخاصة في جنوب البلاد المفتوح على جميع الاحتمالات نظراً لاتساع مساحته وقلة سكانه وكثرة ثرواته، ما جعل تنظيم «داعش» يدعو في تسجيل مصوَّر باللغة الأمازيغية، الطوارق في كل من ليبيا والجزائر وشمال مالي للالتحاق بالتنظيم، ومبايعة زعيمه أبوبكر البغدادي.

أمازيغ الجبل والصحراء

يتوزع الأمازيغ في ليبيا إلى قبائل عدة، ويمثلون إجمالاً بين 5 و10 بالمائة من مجموع عدد السكان البالغ نحو ستة ملايين نسمة، ويتمركزون في منطقة الشمال الغربي المعروفة بطرابلس وجبل نفوسة ومنطقة زوارة، علاوة على بعض المناطق الساحلية والجبلية الأخرى، وبحسب الباحث الأمازيغي محمد ؤمادي فإن من أكثر مناطق التواجد الأمازيغي كثافة في ليبيا هي سلسلة «أدرار نفوسة» وقبائل نفوسة التي تسكن مدينة زوارة الساحلية.

وهم متواجدون أيضاً في غدامس ويسميها أهلها «عديمس» وغات وأوباري ووادي عتبة وسوكنة واوجلة والفقهة ونسبة صغيرة في الجغبوب وفي مناطق متفرقة من كل الجنوب الليبي المتمثلة في قبائل «إيموهاغ» الرحل، ولا توجد أي إحصاءات رسمية عن تعداد الأمازيغيفونيين (أو الناطقين بالأمازيغية) في ليبيا فتجد إحصاءات تتراوح ما بين 3 إلى 10% من التعداد السكاني العام.

وينقسم أمازيغ ليبيا إلى أمازيغ الساحل والجبل في مناطق جبل نفوسة ومنها نالوت ويفرن وجادو وغريان وكاباو وترميسا وتاغمة والرحيبات والاصابعة ووككلة والدرج تمتد من مدينة غريان جنوب طرابلس وتستمر غرباً وصولاً إلى منطقة وازن الحدودية مع تونس.

وتعتبر مدينة زوارة المتاخمة للحدود الليبية التونسية المشتركة عاصمة أمازيغ الساحل، وهم مسلمون ينتمي أغلبهم إلى المذهب الأباضي، والقسم الثاني هم أمازيغ الصحراء والذين يحملون اسم الطوارق ويتوزعون في مناطق الصحراء الكبرى كجنوب غرب ليبيا وجنوب الجزائر وأزواد شمال مالي، وشمال النيجر وشمال بوركينا فاسو، وهم مسلمون سنيون مالكيون، ويتحدثون اللغة الطارقية بلهجاتها الثلاث تماجق وتماشق وتماهق.

ويبلغ عددهم في ليبيا حوالي 25 ألف نسمة، ويتوزعون في عدد من المناطق ومنها أوباري وغات وغدامس ومرزق، ويشتركون في بعض الأراضي مع قبائل التبو الليبية. كما يتواجد أبناء الطوارق في العاصمة طرابلس وفي مدن ليبية أخرى.

حقوق الطوارق

وفي مايو 2014 أعلن المجلس الأعلى للطوارق في ليبيا عن تشكيل لجنة لتحديد حقوق مكون الطوارق في الدستور الليبي المقبل، وقال رئيس المجلس مولاي قديديان المجلس قام بتشكيل لجنة موسعة لتقوم بتحديد حقوقهم المطلوب إدراجها في الدستور الليبي المرتقب المتمثلة في مناقشة اللغة والهوية الخاصة بالطوارق، بجانب ضمان رعاية حقهم في صون الموروث الثقافي واللغوي ودستورهما.

وفي مطلع مارس من عام 2013، أعلن عن تشكيل مجلس أعلى للطوارق في منطقة آوال بالقرب من مدينة غدامس الحدودية مع الجزائر، ويعد المجلس بمثابة الجسم الاستشاري والسياسي للطوارق، والجهة الرسمية للتواصل مع البرلمان والحكومة لمناقشة حقوق الأقلية، وشارك الطوارق في انتخابات الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور الليبي التي جرت في 20 فبراير2014، لكن المراكز الانتخابية المخصصة لهم في مدن الجنوب شهدت انفلاتاً أمنياً، حال دون انطلاق عملية تصويت الناخبين.

وفي فبراير 2015 أطلق مشايخ وأعيان قبائل الطوارق في ليبيا كياناً اجتماعياً يجمعهم، يضم ما يُعرف بالمجلس الاستشاري لقبائل الطوارق والمجلس الأعلى للطوارق في جسم واحد بحيث يمثل كل الطوارق تحت مسمى المجلس الاجتماعي لقبائل الطوارق في ليبيا.

وتمّ الاتفاق على تشكيل مجلس اجتماعي موحد أثناء اجتماعهم في مدينة غات التي تبعد نحو 1400 كم جنوبي غرب العاصمة طرابلس، واختير حسين الكوني رئيساً للمجلس بالإضافة إلى 4 نواب هم أبوبكر الفقي وسليمان صالح ومحمد موسى ومحمد الدرجي.

معركة الهوية

بدأت الهوية الأمازيغية في ليبيا تتبلور خلال العقدين الأخيرين على أيدي النشطاء الأمازيغ في بلاد المهجر، ومن ذلك تأسيس المؤتمر الليبي للأمازيغية في لندن عام 2000، أما بعد إطاحة القذافي فتم تأسيس المؤتمر الوطني الأمازيغي الليبي الذي عقد لقاءه الأول في سبتمبر 2011، حيث صارت هناك «مسألة أمازيغية» في ليبيا، وأصبح الأمازيغ يطالبون بترسيم لغتهم، ورد الاعتبار للمذهب الإباضي، مع مطالبات أخرى مثل تمثيلهم وزارياً.

وقد لعبت المجالس المحلية في المدن الناطقة بالأمازيغية دوراً موسعاً في هذا المجال، وأسهمت في ترسيخ النزعة المناطقية المضادة لمركزية الدولة.

كما برزت تلك الفئة أكثر وأصبح لها دور سياسي مهم بعد وصول نوري بوسهمين إلى رئاسة المؤتمر الوطني العام الليبي المنتهية ولايته بين 24 يونيو 2013 و7 فبراير 2014 بعد حصوله على 96 صوتاً مقابل 80 صوتاً لمنافسه الشريف الوافي وقد جاء رئيساً للمؤتمر خلفاً لمحمد المقريف بعد إقرار قانون العزل السياسي.

وأبو سهمين كان عضواً في المؤتمر الوطني العام عن مدينته زوارة، كما شغل منصب مقرر للمؤتمر، وهو ينحدر من جذور أمازيغية واستفاد من دعم حزب العدالة والبناء الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، وكتلة «الوفاء للشهداء» المرتبطة بالجماعة الإسلامية المقاتلة المعروفة سابقاً بارتباطها بتنظيم القاعدة.

ورأى المحللون في اختيار بوسهمين للمنصب سعياً من قوى الإسلام السياسي لتطويع أمازيغ ليبيا، غير أنه (بوسهمين) استبعد أن يؤدي وجوده كشخص ينتمي إلى الأقلية الأمازيغية في ليبيا إلى أمزغة الدولة الليبية، لكنه شدد على ضرورة التعامل مع اللغة الأمازيغية كمكون ثقافي للوطن.

مواجهات

واتجه القائمون على صياغة الدستور الليبي الجديد، إلى تضمينه بنوداً تعترف باللغة الأمازيغية، إلى جانب اللغة العربية، على أنهما لغتين رسميتين في البلاد، إلا أن تمسك مفتي ليبيا آنذاك الصادق الغرياني أكد استحالة اعتماد اللغة الأمازيغية رسمياً في الدستور الليبي، ما أثار الأمازيغ الذين هددوا بحمل السلاح دفاعاً عن حقوقهم، ونظموا بالاشتراك مع أنصار حقوق الأقليات في العالم في يناير 2014 مؤتمراً عالمياً تحت عنوان «ملتقى الاستحقاق الدستوري لأمازيغ ليبيا».

وقال علي أبو السعود عضو الكونغرس الأمازيغي العالمي عن ليبيا ورئيس لجنة ملتقى الاستحقاق الأمازيغي: «يعرب أغلب السياسيين الليبيين عن تضامنهم مع الأمازيغ، لكنهم في الواقع لا يترجمونه بمواقف صريحة وفاعلة ومفيدة للحركة الأمازيغية».

وأكد أبو السعود أن خارطة طريق الحركة الأمازيغية هي المذكورة في البيان الختامي لملتقى الاستحقاق، «أي عدم الاعتراف بكل من لا يعترف باستحقاقاتنا الوطنية، فالدستور الذي سيكون محل اعتراف وتقديرنا هو الدستور الذي يعترف بنا وبكل الليبيين على قدم المساواة، نحميه ويحمينا، نذود عنه بأرواحنا».

ويلخص الناشط الإعلامي الأمازيغي أوسمان بن ساسي مطالب الأمازيغ في «الاعتراف بهم وبتاريخهم وحضارتهم كموروث ثقافي ليبي أصيل، وما من شيء يترجم هذا الاعتراف غير دسترة اللغة في دستور يمثل كل الفئات لاسيما بعد هذه الأعداد من الشهداء».

مضيفاً إن دستوراً من دون دسترة الأمازيغية كلغة رسمية هو دستور لا يمثل الليبيين كافة بل هو دستور باطل لأنه ظلم فئة ولم يمثلها وأقصى جزءاً من النسيج الليبي، فالخيار الأصلح والآمن الوحيد هو الاعتراف ودسترة الأمازيغية في الدستور كلغة رسمية لا تقل عن اللغة العربية وتمثيل كل فئات المجتمع الليبي من دون انتقائية واستثناء.

تباين رؤى

التبو أو تداد هم مجموعة من القبائل البدوية تسكن جنوب ليبيا وشمال النيجر وشمال تشاد، وقد اختلف المؤرخون في تحديد أصولهم، فقال بعض المؤرخين إنهم يرجعون في أصولهم التاريخية إلى قبائل التمحو الليبية القديمة، وذهب البعض الآخر إلى أنهم قبائل الجرمنت.

وهي قبائل ليبية كانت تسكن جنوب ليبيا وكانت مدينتهم جرمة الواقعة جنوب ليبيا قرب مدينة أوباري، ويقول آخرون إنهم من قبائل ليبية قديمة كانت تسمى التيبوس كانت تسكن شمال ليبيا في المناطق الممتدة بين الجغبوب وإجدابيا، وكانت عاصمتهم تازربو.