استفاق العالم العربي على أنه كان يعيش وهماً كبيراً طيلة العقود الماضية بأنه وحدة واحدة متماسكة يربط بينها وحدة المعتقد والمصير المشترك، وبعد سنوات طويلة من التشكل الافتراضي الكياني، ليجد نفسه في البلد الواحد مجموعة من الجزر الثقافية والديموغرافية التي لا تربط بينها سوى جسور واهية يسهل تفكيكيها، بل استخدامها ضد بعضها في حرب قذرة لا تستثني استخدام جميع الأسلحة.

ولعل الإجماع الوحيد الآن هو «الفوضى» سلاح تحقيق المكاسب، وباتت الأكثرية الغالبة في عديد بلدان منطقتنا تخشى من خنجر «الأقليات» الذي يجاهر السياسيون بأن اليد التي تتلاعب به موجودة خارج المنطقة، بل يؤشرون بوضوح إلى شمال «المتوسط» كمحرك رئيس لقضيتها.

وتعرف الأقليات بأنها جماعات فرعية تعيش بين جماعة أكبر، وتكون مجتمعاً تربطه ملامح تميزه عن المحيط الاجتماعي حوله، وتعتبر نفسها مجتمعاً يعاني تسلط مجموعة تتمتع بمنزلة اجتماعية أعلى وامتيازات أعظم، تهدف إلى حرمان الأقلية من ممارسة كاملة لمختلف صنوف الأنشطة الاجتماعية أو الاقتصادية والسياسية، بل تجعل لهم دوراً محدوداً في مجتمع الأغلبية، وتختلف الأقليات من حيث العدد والمنزلة الاجتماعية، ومدى تأثيرها في مجتمع الأكثرية، ومهما كانت هذه المنزلة، فمجتمع الأكثرية ينظر إليها على أنها غريبة عنه، أو شائبة تشكّل عضواً شاذاً في كيانه.

ومحور قضية الأقلية بُني على صفات نتج عنها عدم التفاعل الاجتماعي مع مجتمع الأكثرية، وهذه الصفات قد تكون عرقية، وهي سمات واضحة في مجتمعات جنوب إفريقيا والأميركتين، أما في الوطن العربي فكانت القضايا الأكثر بروزاً هي الأكراد في العراق، والأفارقة المسيحيون في السودان، والأمازيغ في دول المغرب العربي.

وبحسب الأمم المتحدة، تضم جميع بلدان العالم أشخاصاً ينتمون إلى أقليات قومية أو إثنية وأقليات دينية ولغوية، ما يثري تنوع مجتمعاتها. وعلى الرغم من وجود اختلاف كبير في أحوال الأقليات، فإن ما هو مشترك بين الجميع أنها تواجه، في الكثير جداً من الحالات، أشكالاً متعددة من التمييز، تسفر عن التهميش والإقصاء.

ويقول الباحث الجزائري محمد شيبان إنّ كلمة «الأقليات» ليست بالمصطلح الصحيح لظاهرة «النعرات» الموجودة منذ القدم، وليس في الوطن العربي فحسب، بل في بقاع العالم كافة، بما فيها الولايات المتحدة، لكن خصوصية الواقع العربي وما مرّ به منذ اشتعال شرارة «الربيع العربي» فرضا ضغطاً وتشويشاً، وأوجدا مناخاً وجدت فيه إسرائيل والدول العظمى ضالتها.

ويتقاطع القيادي في حزب العمال اليساري جلول جودي مع محمد شيبان في كون «التضييق» الذي مارسته بعض الدول أفرز لغطاً حول الأقليات العرقية والدينية التي استغلت الموقف لمصلحتها على سبيل «إثبات نسبها ومكانتها»، على غرار القبائل المنتشرة في المنطقة المغاربية والطائفة المسيحية في البلدان العربية.

الذات والبنزين

تبعاً لتنامي الرغبة في فرض الآراء وإثبات الذات، يسجّل محمد شيبان أنّ بعض أطياف الوطن العربي أصبحت كشخصية «هاملت» في مسرحية شكسبير الشهيرة الذي مضى يبحث عن ذاته، ويتصور شيبان أنّ «النعرات» في سبيل فرض نفسها، تستلهم من نظرية سارتر الوجودية، لما قال على لسان أورست في مسرحية «الذباب»: «لا بد أن أقوم بجريمة لأبقى موجوداً في ذاكرة الآخرين».

ويشير شيبان، الناشط المجتمعي والثقافي في فرنسا، إنّ التنازلات التي أعطيت للأقليات ليست بالحل، وإنما هي بنزين أهيل على النار، ما ينذر بتفاقم المشكلة ذاتها، مضيفاً أن التنازلات لا تعني إعطاء الحريات والاعتراف بالآخر، بل تحقيق رغبة طرف ثالث، مثل أب يتنازل عن كل شيء لولده، فهذا لا يعني إعطاءه الحرية، فالولد سيعود من جديد للمطالبة بالمزيد، وهذا هو حال الأقليات في الوطن العربي.

يلتقي جلول جودي مع محمد شيبان عند نقطة مفادها أنّ «إسرائيل هي المستفيد الوحيد برفقة حلفائها الذين يلعبون على وتر التعفين والبتر، حتى لا ينهض العرب من سباتهم ويواجهوا السيل القادم من الغرب».

ويرى الناشطان الجزائريان أنّ الحضارة كما عرّفها مالك بن نبي هي إنسان زائد الزمن، وهي ليست التقوقع ولا التفرقع، وتفعيل الأقليات يكون بتكريس استقرارها، وفقاً لدعامتي السلم والتعايش المدني، وليس بالتمرّد والمزايدات.

ردود أفعال

وأثارت موجة التغييرات في العالم العربي طائفة من ردود الفعل بخصوص «الأقليات»، ويقول الباحث والمفكر عبد المحسن شعبان: «إن كان مصطلحاً ملتبساً، فإنه مصطلح مستخدم من جانب الأمم المتحدة، خصوصاً بإعلان حقوق الأقليات الصادر عام 1992، أو إعلان حقوق الشعوب الأصلية الصادر عام2007، وإنْ كنت أميل منذ عقدين من الزمان إلى استخدام مصطلح «التنوّع الثقافي» بدلاً من مصطلح الأقليات».

ويمضي قائلاً: «أرى أن مصطلح «التنوّع الثقافي» ينطلق من مبادئ المساواة والتكافؤ إزاء التكوينات المختلفة، بعيداً عن حجمها وعددها، أقلية أو أكثرية، فالحقوق لا بدّ أن تكون متساوية وتشمل جميع البشر، ولا يمكن التمييز بينهم بسبب عددهم، كما أن هذه الحقوق شاملة وعامة، وتخصّ الإنسان بغض النظر عن عرقه ودينه وقوميته ولغته وجنسه وأصله الاجتماعي.

وهي حقوق لا يمكن تجزئتها أو الانتقاص منها أو المفاضلة بينها لأي سبب كان»، مشيراً بذلك ضمناً إلى أن المصطلح سياسي في المقام الأول، غير أن الصحافي الليبي منصف القصيب يقول إن مفهوم الأقلية مفهوم أجنبي، لم يعرفه المسلمون، ولم يعرف في الإسلام. وقد ابتلي به المسلمون حين مزقهم هذا المفهوم، وما زال يمزق ويشتت بهم حتى الآن.

وقد استخدمته الدول الاستعمارية سلاحاً فعالاً، للتدخل في شؤون الدول والشعوب الأخرى وتمزيقها؛ حتى يسهل استعمارها والهيمنة عليها، ومنعها من النهضة والتقدم، وقد قيل إن سياسة الاستعمار تعتمد على المقولة التالية: «فرق تسد».

ويتهم منصف ما يسميها بالدول الاستعمارية بأنها تقوم بتحريض هذه المجموعات البشرية على المطالبة بما يسمى بحقوق الأقليات التي أفرزتها هذه الدول، ومنها حق تقرير المصير.

ويمدون هذه المجموعات البشرية التي سميت بالسلاح والمال والخبراء، وبالعملاء والجواسيس، وبالخبرات وبالقيادات العميلة، ويدعمونها بالدعاية والإعلام والمؤتمرات الإقليمية والدولية، وإصدار القرارات في الأمم المتحدة وفي مجلس الأمن وفي المؤسسات الدولية الأخرى، وممارسة الضغوط على البلد الذي سيجزأ، وفرض الحصار عليه ومقاطعته، وتهديده بالتدخل، و القيام بتجميد أمواله وممتلكاته، وإيقاف المساعدات والقروض عنه، وإغلاق أجوائه أمام تحليق الطيران، وإلى غير ذلك من وسائل وأساليب الحرب.

أراجيف

في الحالة الجزائرية، يشدّد وزير الدولة السابق أبو جرة سلطاني على أنّ كل ما تردّد بشأن الأقليات في الجزائر هو أراجيف، ويجزم: «النصرانية واليهودية استخدام سياسوي لزعزعة الاستقرار، فليست هناك أقليات في الجزائر».

ويدعم سلطاني قوله بأنّ الجزائر توفر هامشاً كبيراً لغير المسلمين بموجب قانون ممارسة الشعائر الدينية الصادر في مارس 2006، وليس هناك أي تمييز في التعامل مع المسيحيين، والتحركات المشبوهة التي قام بها البعض لإحياء نعرات قبلية، تصدى لها أحرار القبائل ذاتهم، علماً أنّ المسلمين يمثلون 99 في المئة في الجزائر.

مصطلح

«الأقلية» و«الأقليات» مصطلح يعد عند الكثيرين استفزازيا وليس حياديا، إنه مصطلح استفزازي، بمعنى أنه مثير للتمايز المزدوج. فمن جهة الأكثرية يعزز المصطلح المفهوم شعور بالفوقية والاسترخاء في نرجسية راضية عن الذات، مطمئنة إلى سلطانها وهيمنتها، لكنه في الوقت عينه يبعث على «الاسترابة» بالآخر والتشكك فيه.

أما من جهة الأقلية نفسها، فالمصطلح / المفهوم يثير الإحساس بالدونية والقلق على الذات والمصير، والرغبة في الاحتياط من خطر الذوبان، أما الاجتياح، أو الابتلاع، وهو خطر قد يكون حقيقياً، وقد يكون ممكناً أو متخيلاً أو موهوماً.