رفعت ثورة الياسمين التونسية الغطاء عن قدر الأقليات الذي كان يغلي بعيداً عن الأعين، وظهرت بشكل مفاجئ لكثير من التونسيين غبائن كانت مخبوءة أو قل مسكوتاً عنها لتشكل عشرات الجمعيات التي تهتم بقضايا الأقليات، ويرتفع خطابها الأمر الذي دفع الوزير المعتمد لدى رئاسة الحكومة المكلف بالتنسيق مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني إلى القول إن تونس تعاني أزمات اجتماعية تتعلق بالتمييز على أساس اللون والدين، ودعا إلى تشكيل تحالف مدني لرصد ومكافحة التحريض على الكراهية، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن الخطوات الحكومية للحد من الخطاب التكفيري غير كافية.
وأضاف في تصريحات صحافية أن «ثمة تراكم لمشاكل اجتماعية تتعلق بالكراهية والعنصرية أو النظر بشكل دوني لذوي البشرة السوداء والأقليات العرقية والدينية، مشيراً إلى أن مناخ الحرية الذي جاءت به الثورة التونسية أسهم بشكل كبير في كشف هذه الأمور التي كانت «مكبوتة ومسكوت عنها معزولة في مناطقها، مع غياب شبه كامل للإعلام» وفق تعبيره.
ويبرز المحلل السياسي منذر ثابت لـ« البيان » أن قضية الأقليات في تونس ودول الربيع العربي أكدت وجود خلل في البنى الاجتماعية نتيجة محاولات نفي الآخر وإنكار حقه في التعبير عن ذاته، وأن بعض الحركات الشوفينية الدينية والمذهبية والقومية تسعى إلى إلغاء حقيقة وجود أقليات، فتفتح من حيث لا تدري الباب مشرعاً أمام التدخل الخارجي الذي يعمل على أن يجعل من تلك الأقليات حصان طروادة لفرض أجنداته.
وأوضح ثابت أن الشعب التونسي متجانس في غالبيته الساحقة ولكن هذا لا يعني عدم وجود أقليات تبحث عن متنفس للتعبير عن ذاتها، وهو ما لا يتحقق إلا في إطار الدولة المدنية التي تحترم كل أبنائها، مضيفاً أن تونس عرفت خلال الأعوام الماضية جدلاً واسعاً حول حقوق السود مثلاً، وكذلك حول الحق الثقافي للأمازيغ، وحول حقوق الأقليات الدينية، وكذلك الأقليات الجنسية التي طرحت أكثر من سؤال حول طبيعة النموذج الديمقراطي الليبيرالي الذي تبنه الجمهورية الثانية وما إذا كان قادراً على استيعادات جميع مكونات المجتمع.
امازيغ تونس
يوم 20 أكتوبر 2004 صدر بيان عن المؤتمر العالمي للأمازيغ (بباريس) يحمل عنوان أمازيغ تونس في الطريق إلى الاندثار ومما جاء فيه دعوة إلى المنظمات غير الحكومية وإلى أصدقاء الشعب الأمازيغي للتصدي للانتهاكات الخطيرة للحريات وللحقوق المشروعة» التي ستعرض لها الأمازيغ في تونس. وتضمن هذا البيان ـ « المطالبة بالاعتراف بالأمازيغ كمكون أساسي من مكونات الهوية التونسية إلى جانب رد الاعتبار لتاريخ الأمازيغ وثقافتهم في التعليم ووسائل الإعلام والإدارة العمومية».
السود عنصرية موروثة
طرحت أقلية الزنوج التونسيين معاناتهم في أكثر من مناسبة وقال ناشطون سود إن العنصرية لا تزال موجودة في تونس التي كانت أول دولة عربية وإسلامية حررت العبيد وألغت العبودية منذ العام 1846، وبحسب هشام الحاجّي، المختص في علم الاجتماع.
فإنّ «هذا التمييز يعود بالأساس إلى أسباب ثقافية، إذ إنّ هناك رغبة مجتمعية لا واعية للحفاظ على التجانس اللونيّ خاصّة وأنّ الثقافة التقليدية، التي لا تزال فاعلة في جوهرها، ثقافة هرمية تقوم على الثنائيات وتستعيد بشكل من الأشكال ثنائية السيد والعبد، وهذا التمييز وظّفته الثقافة الشعبية للحفاظ على هذه الهرمية من ناحية، ولمنع كلّ حراك من شأنه أن يهدّد أسسها ويدعو إلى تغييرها».
وفي العام الماضي بادر عديد الشخصيات التقدمية المستقلة ومنظمات حقوق الإنسان بتنظيم مسيرة انطلقت من جزيرة جربة ( 500 كلم جنوب شرق ) باتجاه العاصمة وأطلق عليها اسم «مسيرة المساواة ومناهضة العنصرية ضد السود».
ودعت المسيرة مكونات المجتمع المدني التي تشترك في الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات إلى مقاومة ظاهرة العنصرية في تونس بدءاً بردع الخطاب والتصرفات العنصرية في الفضاء العمومي وخاصة في الفضاء الإعلامي والتربوي.
من جانبها دعت الجمعية التونسية لمساندة الأقليات إلى تطوير المجتمع وتنويره فكرياً في اتجاه نبذ أشكال التمييز والميز العنصري سواء بسبب العرق أو اللون أو الجنسية أو المعتقد الديني والفكري.
ويقول مدير المرصد الوطني للشباب والأستاذ في علم الاجتماع محمد الجويلي إن واقع التهميش والإساءة لأصحاب البشرة السوداء في تونس بكونه «جرحاً يجب عدم السماح له بالتفاقم».
قد تكون هذه مقدمة ضرورية لفهمٍ الواقع التونسي، تقودنا في ورقة قادمة إلى الحديث عن معاناة الطلبة الأفارقة والجاليات الإفريقية من ظاهرة العنصرية وكره الأجانب برغم تجريمها في القوانين الدولية وتعارضها أصلاً مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وبقية المواثيق الموقع عليها من قبل الدول المنضوية تحت راية منظمة الأمم المتحدة ومن بينها الدولة التونسية، وفق تعبيره.
وترى الباحثة التونسية مها عبد الحميد، وهي عضو سابق في «آدم للمساواة والتنمية» أول جمعية للدفاع عن السود في تونس أسست عام 2012.
وتعد حالياً أطروحة دكتوراه في الجغرافيا الاجتماعية في جامعة باريس العاشرة حول التهميش الاقتصادي والاجتماعي في الأحياء اللاقانونية في واحة زريق بمدينة قابس جنوب تونس، أنه «يوجد في الحقيقة موروث ثقافي وتاريخي، وإن استطاع الزمن التخفيف من حدته جزئياً إلا أنه مازال متواجداً وبكثرة خصوصاً في المناطق التي عرفت العبودية (الواحات والمجتمعات الرعوية في الجنوب التونسي وفي العاصمة في العائلات التي كانت تملك العبيد وفي بعض جهات الساحل).
وبقي هذا الموروث يربط الأسود بصورة العبد فهو بالضرورة ليس مثل الأبيض الحر حتى أن في الجنوب وإلى يومنا هذا مازال يسمى الأبيض بالحر والأسود بالعبد».
الأقليات الدينية
وبحسب تقرير صادر عن مكتب الديمقراطية وحقوق الإنسان التابع لوزارة الخارجية الأميركية فإن المسلمين السنّة يمثلون 99 بالمئة من العدد الإجمالي للسكان الذي يبلغ 11 مليون نسمة، بينما تمثل الأقليات المسيحية واليهودية والمسلمين الشيعة والبهائيين 1 بالمئة.
وتمثل الجالية المسيحية بتونس ثاني اكبر ديانة، 88 بالمئة من أفرادها من الروم الكاثوليك ويقدر مسؤولو الكاثوليكية الرومانية أن لديهم أقل من 5000 مسيحي، بمختلف أنحاء الجمهورية التونسية ويتألف ما تبقى من السكان المسيحيين من البروتستانت والأرثوذكس، الإصلاحيين الفرنسية الروسية، الإنجيليين، السبتيين، الروم الأرثوذكس.
أما الديانة اليهودية فهي ثالث أكبر ديانة في البلاد مع ما يقرب من 1.500 شخص ثلثهم متواجد في العاصمة، والباقي يعيش في جزيرة جربة ومدينة جرجيس وقد أقام طائفة يهودية في البلاد لأكثر من 2500 سنة.
وذكر نفس التقرير أن الدستور التونسي والقوانين التونسية تضمن حرية المعتقد الا أنها لا تمنح حق الترشح للانتخابات الرئاسية لغير المسلم كما ينص القانون التونسي على أن حرية التعبير والمعتقد مضمونة ما لم تمس بالأمن العام مشيرا الى ان المشرع التونسي يمنع القيام بـ«التبشير للديانات الأخرى» ويعتبره مخالفاً للقانون ومن حق الحكومة تتبع القائم بالفعل.
وأوضح التقرير ان القانون التونسي يشرع للدولة التونسية فحسب حق التصرف في المساجد ووضع الأئمة كما يعين مفتي الجمهورية من قبل رئيس الجمهورية والذي يقوم بالإعلان عن الأعياد الدينية ويصدر شهادات اعتناق الإسلام بالإضافة الى الإشراف على المناهج الدراسية والدراسات التي تنشر على الإسلام.
وذكر التقرير بأن الدولة التونسية تضمن حرية ممارسة المعتقد للجالية اليهودية التونسية وهي التي تقوم بدفع رواتب الحاخامات اليهودية كما توفر الدولة التونسية الحماية الأمنية للكنيس وتتحمل الحكومة التونسية جزءاً من تكاليف صيانة وترميم المعالم اليهودية والمقابر الخاصة بالجالية اليهودية.
اعتراف
تعترف الحكومة التونسية بجميع المنظمات الدينية المسيحية واليهودية التي تأسست قبل الاستقلال في عام 1956 وتسمح الحكومة للكنائس المسيحية بالعمل بحرية، حيث إنها قامت بتسليم الكنيسة الكاثوليكية البابوية رسمياً سنة 1964 مع الكرسي الرسولي بالإضافة إلى تصريحها لـ14 من الكنائس «تخدم جميع الطوائف» في البلاد.
وعرف ملف الأقلية اليهودية تجاذباً بين تونس وإسرائيل التي سعت منذ الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي إلى إقناع يهود تونس بمغادرة بلادهم والالتحاق بدولة الكيان الصهيوني زاعمة أنهم غير آمنين في تونس وهو مارد عليه مسؤولون تونسيون بأن تونس آمنة أكثر من إسرائيل.

