صيت الجيش العراقي، في أعقاب حربه ضد إيران وقبيل غزوه الغادر للكويت، ملأ الآفاق، فقد وصف بأنه أقوى جيوش المنطقة، وكان حينئذ ذا عقيدة عسكرية موحدة، الأمر الذي أصاب قيادته بالغرور والصلف الدكتاتوري الذي اتسم به صدام بما أفضى إلى خطوة الغزو المدمرة.
كان جيش العراق خلال وبعد حرب الخليج الثانية قادراً على ضمان الاستقرار والأمن ومنع الفوضى في بلاده، وكان ينظر إليه بوصفه حارسا لبوابة العرب الشرقية.
كانت الدولة المدنية وحكومتها التي تشارك بها مختلف الطوائف والإثنيات تقف سداً منيعا ضد النعرات الطائفية في الجنوب والنزعات الانفصالية من جانب الأكراد في الشمال.
ولكن غزو الكويت بقرار سياسي مرتجل وكارثي، أحدث تحولاً نوعياً أصاب مستقبل العراق والمنطقة برمتها في مقتل، ولا تزال تداعياته السلبية تتلاحق إلى يومنا هذا، حيث مني هذا الجيش بهزيمة ساحقة أنهكت قواه وثبطت من معنوياته وهيبته فأصبح مثاراً للسخرية وطمع المتربصين بوحدة العراق واستقراره.
جاء الغزو
حينما قرر الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش غزو العراق لاجتثاث شأفة صدام العام 2003 كان هناك أمل في أن يصمد الحرس الجمهوري العراقي الذي له القدح المعلى في مؤهلات القوة والتسليحية والتدريبية لأمد معقول، ولكن كفة أميركا الراجحة تكنولوجيا حولت هذا الأمل إلى سراب في وقت وجيز.
اختفى الجيش العراقي برمته فجأة وكله، كان قوامه قد وصل في ذروته إلى مليون عسكري مدججين بالعدة والعتاد المتطور، وعقب دخول القوات البرية للتحالف الذي قادته واشنطن حينئذ أصدر الحاكم المدني للعراق بول بريمر قراراً بَحل هذا الجيش الشهير في 13 يونيو 2003، فورث الجيش الغازي دور الجيش الوطني العراقي، ليتحمل بصعوبة مسؤولية استتباب الأمن في بلد تمور فيه التباينات الطائفية والإثنية.
خطورة الاختفاء
وأكدت مصادر صحافية أن الرئيس الأسبق صدام حسين كان أعطى تعليمات إلى قيادة الحزب والدولة العراقية والقادة العسكريين، بأنه في حالة وقوع الحرب، فإن على الجيش أن يختفي عن الأنظار، ويتجنب المواجهة مع الجيش الأميركي، لأن هذا الجيش ليس بإمكانه مواجهة قوات التحالف في حرب نظامية، وللحفاظ على قوته، يجب على الجيش الاستيلاء على جميع المعدات والذخائر العسكرية، وتخزينها في أماكن سرية كانت أنشئت منذ سنوات لهذا الغرض، والاختفاء عن الأنظار، ومن ثم شن حرب العصابات فيما بعد. وهذا ما حصل، حيث عمت الفوضى لاحقا.
جيش طائفي
ولحق بقرار الحاكم المدني بريمر قرارٌ آخر لا يقل عنه خطورة، اتخذه الحاكم نفسه بدمج الميليشيات المسلحة الطائفية والعرقية في العام 2003 تحت رقم (91)، والقاضي بانخراط الميليشيات التي ساهمت بغزو العراق والتابعة للأحزاب الطائفية والعرقية لتشكيل ما أطلق عليه الجيش الجديد، حيث أصبحت الميليشيات الطائفية والعرقية التي أغلبها هي جماعات خارجة عن القانون اللبنة الأساسية في الجيش الجديد الذي أُوكل إليه مهمة حفظ النظام وفرض الأمن وإبقاء السيادة وصيانة الحدود.
وبدأ عصر جديد وبدأت الصدامات بين عناصر الجيش والمدنيين؛ حيث إن الوضع الأمني في العراق دفع الجيش إلى التواجد داخل المدن لا على الحدود، ولهم نقاط تفتيش وسلطة تفوق أغلب الأجهزة الأمنية، ويتلقون أوامرهم من وزير الدفاع الموالي لإيران والقادة الطائفيين.
سياسات المالكي
ومن ثم، انتخب نوري المالكي لتشكيل أول حكومة عراقية دائمة منتخبة بعد الانسحاب الأميركي في مايو 2006 خلفاً لرئيس الحكومة إبراهيم الجعفري الذي عارضت اعادة ترشيحه الكتل السنية والكردية. وكان الوضع الأمني غاية في السوء، حيث بدأت عمليات الخطف والتهجير والقتل الطائفي.
وهو الذي وقع على إنفاذ عقوبة إعدام صدام الصادرة من محكمة عراقية، وقام بتنفيذ الحكم بسرعة بحضور خصوم صدام الطائفيين.
ولاحقا اتضحت الميول الإيرانية في توجهات المالكي، الأمر الذي فاقم الأوضاع بالعراق ووصل به إلى منحدر سحيق من هيمنة الطائفية وشيوع الفوضى وبروز خلايا قوية لتنظيم القاعدة الذي تحول لاحقا إلى «داعش». وخلال سنوات حكم المالكي ( 2006 – 2014) فقدت الدولة سيادتها على أجزاء شاسعة من البلاد، خاصة في الشمال، ومن بين ذلك الموصل وكركوك وحتى إقليم الأنبار لاحقا.
«داعش»
تعود بذور «داعش» للخلاف الفكري بين تيار الصقور الذي كان يمثله مصعب االزرقاوي داخل تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، و«القاعدة» التقليدية، خاصة بعد مقتل الزرقاوي بأيدي القوات الأميركية في 2004م ومقتل أبو حمزة المهاجر، حيث دخلت (داعش) مرحلة مشروع الدولة في العراق.
وكل ذلك حدث في فترة حكم نوري المالكي وسياساته المنحازة والتي وفرت الذرائع الطائفية للتنظيمات السنية المتطرفة، فحققت تحالفات مؤثرة مع فلول البعث وأفراد العشائر السنية واستشرت الفوضى بلا نهاية. وكلما كانت تزداد شوكة المليشيات الطائفية وقوات التنظيمات الإرهابية كان الجيش العراقي الجديد يزداد تدهورا وتراجعا حتى انه سلم ثلث مساحة البلاد للمتطرفين.
