مع اقتراب موعد الدخول الاجتماعي تسابق الحكومة الجزائرية التي يقودها عبدالمالك سلال الزمن على أكثر من مستوى لضمان هدوء يقي شر الاحتجاجات والاحتقان الذي يلازم مثل هذه المواعيد في الأعوام الأخيرة على أكثر من مجال، فيما تشهد المبادرات السياسية تشتتاً بين رفض السلطة الاعتراف بوجود أزمة في البلاد وبين أحزاب المعارضة التي استسلمت للأمر الواقع، وأخرى لا تزال تواصل عملها من أجل إخراج الجزائر من عنق الزجاجة على حد تعبيرها قبل أن تتأزم الأوضاع وتخرج عن السيطرة.
ويبدو كما هو واضح أن السلطة تستبعد من قاموسها أي كلمات تدل على وجود أزمة أو عدم رضا الشعب تجاه الأوضاع الراهنة، حيث تعمل حكومة سلال على توزيع وزرائها على المناطق المختلفة في البلاد في زيارات ميدانية للترويج على استقرار الأوضاع، وأن كل الأمور تسير على ما يرام في وقت تعج الساحة السياسية بحزمة من المبادرات أطلقتها أحزاب ومجموعات سياسية المعارضة تدعو في مجملها إلى ضرورة الإسراع في الخروج من الأزمة التي تمر بها الجزائر، ففضلاً عن المبادرة التي أطلقتها التنسيقية الوطنية للحريات والانتقال الديمقراطي طرحت جبهة التغيير ما أسمته وثيقة التوافق الديمقراطي، دعا من خلالها عبدالمجيد مناصرة، جميع الأطراف والفاعلين في الساحة السياسية إلى تبنيها بهدف منع الاستقطاب الأيديولوجي الحاد.
مبادرات تتلاشى
إن المتتبع للمشهد السياسي في الجزائر سرعان ما يلاحظ تلاشي بعض مبادرات المعارضة على غرار مبادرة جبهة القوى الاشتراكية (أقدم حزب عارض) التي شغلت الساحة السياسية العام الماضي، بعد أن تلقت صفعة من أحزاب الموالاة التي رفضتها بصفة غير مباشرة، وهو الأمر الذي فتح على الحزب أبواب الانتقادات التي أجمعت على أن أكبر الحزب تحول إلى تشكيلة سياسية من دون ملامح، وأنه فقد مكانه التاريخي في الساحة السياسية.
بالمقابل، طفا الصراع «الخفي» الذي كان بين رئيس جبهة العدالة والتنمية عبدالله جاب الله، ورئيس حركة مجتمع السلم (حمس) عبدالرزاق مقري إلى السطح، عقب لقاء مقري بأحمد أويحيى رئيس ديوان الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة رغم تحذيرات سابقة وجهها جاب الله إلى رئيس «حمس»، وحذّره من التعامل مع السلطة خارج أروقة التنسيقية، ما جعل أكبر تجمع للمعارضة يواجه خطر الانشطار، وتحول من مواجهة السلطة إلى صراع بين مكوناته، خاصة بعد مبادرة جاب الله، الأخيرة، للم شمل الإسلاميين، والتي أثارت مواقف الأحزاب الإسلامية، حيث جاءت متحفظة في عمومها، بل رفضها البعض علناً، ولم يتوان آخرون على غرار أبو جرة سلطاني، في التشكيك في خلفياتها، في حين فسرها آخرون على أنها إرادة عبدالله جاب الله، في التموقع أكثر داخل هيئات المعارضة، والاستعداد لاستحقاقات المرحلة القادمة في خطوة أكدت أن التصدع الذي تعيشه المعارضة خدم السلطة.
وأمام هذه الصراعات يتبين أن تحقيق التغيير بمفهوم المعارضة لن يتحقق بسبب رفض السلطة تبني أي خيار خارج أسوارها رغم الأزمة التي تعيشها على عدة مستويات، وهو الأمر الذي يؤكد منطق بناء المجتمع قبل بناء الطبقة السياسية.
تشويش على الوضع
بدورها، تقول حركة البناء إن السلطة ترى المبادرات على أنها تشويش على الوضع العام، إذ إنها تنظر إلى الوضع على أنه مستقر ومؤسسات الدولة قائمة وتؤدي مهامها على أفضل وجه، وإنها قادرة على التسيير دون الحاجة إلى شراكة مع أي طرف من المعارضة.
وذكرت الحركة أن السلطة لا تعير اهتماما لكل تلك المبادرات ولا تراها إلا تشويشا على الوضع العام وتشكيكا في المؤسسات القائمة وضد السلطة القائمة.
إجراءات حكومية
في الأثناء، اتخذت حكومة عبدالمالك سلال، عدداً من الإجراءات لضمان دخول اجتماعي هادئ، يمكن للسلطة من تمرير مشاريعها المقبلة، كتعديل الدستور، من خلال زيارات ميدانية للوزراء في عز حملة الحر لمختلف الولايات (المحافظات).
وتسابق حكومة سلال الزمن وهي تعمل في كل الاتجاهات، لضمان دخول اجتماعي هادئ، يقيها شر الاحتجاجات والاحتقان الذي كان يلازم مثل هذه المواعيد في الأعوام الأخيرة، وذلك بعدد من الإجراءات منها تكليف سلال وزير الداخلية نور الدين بدوي بزيارات ميدانية لـ48 ولاية جزائرية لتنصيب الولاة الجدد وإعطائهم تعليمات فيما يخص ضرورة تنفيذ البرامج التنموية على الصعيد المحلي، وكذا فتح قنوات الحوار والتشاور مع المواطن الجزائري كما برمجت وزارة الداخلية سلسلة من اللقاءات مع قطاع الحرس البلدي (قوات مكافحة الإرهاب سابقاً) لدراسة مطالبهم.
كما كلف سلال، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، بسلسلة من الزيارات الميدانية إلى المدن الجامعية، وهي الزيارة التي استهلها الوزير الطاهر حجار، من غرداية، التي تعيش ظروفا خاصة، كما تكون الحكومة قد قررت صب الزيادات الموجهة لعمال بعض القطاعات بعد إلغاء المادة 87 مكرر بداية من شهر أغسطس الجاري لنفس الغرض.
80000
سارعت الحكومة الجزائرية إلى فتح ترقيات شملت أكثر من 80 ألف طبيب ومختص، وهي الأولى من نوعها منذ الاستقلال كما سارعت إلى فتح ملف قانون الصحة في انتظار ترسيمه وتمريره عبر غرفتي البرلمان. وكان قطاع الصحة شهد خلال الفترة الأخيرة اضطرابات وصلت في الكثير من الأحيان إلى تعليق العمل، ما أصاب القطاع بشلل في أكثر من مناسبة.
