هزت الجريمة التي ارتكبها المستوطنون بحق الطفل الرضيع علي دوابشة، الضمير الإنساني لذلك استحقت سيل الشجب والاستنكار العالمي حتى من حلفاء إسرائيل وأكثر داعميها حول العالم.
لكن هذه الجريمة لم تكن لتتم لولا الرعاية الرسمية التي يتلقاها المستوطنون من حكومتهم اليمينية المتطرفة بقيادة بنيامين نتانياهو، خصوصاً أن حكومته نفسها تحوي مستوطنين من عتاة التطرف من أمثال زعيم حزب «البيت اليهودي» نفتالي بينيت المؤيد للاستيطان في الضفة الغربية، ووزيرة القضاء إيليت شاكيد التي دعت مراراً لقتل الفلسطينيين كما أيدت جريمة إحراق الرضيع دوابشة باعتباره «ثعباناً صغيراً سينمو ويصبح أفعى كبيرة»، على حد تعبيرها!
لذلك فإن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين تعليقاً على الجريمة لم تكن سوى ذر للرماد في العيون للتغطية على الدعم الذي يتلقاه هؤلاء الإرهابيون من حكومتهم وآخرها ايعاز نتانياهو ببناء 300 وحدة استيطانية في مستوطنة بيت إيل القريبة من رام الله تعويضاً عن هدم منزلين قضت المحكمة العليا في قرار شكلي ومضلل بعدم قانونية بنائهما على أرض فلسطينية.
لذا فإن الرد الإسرائيلي على الجريمة جاء شكلياً بقرارات سريعة وتصريحات جوفاء بلا قيمة تبعها توقيف مشتبه أو اثنين، ليتناسب مع حجم المأساة في قرية دوما، والأهم أنه رسالة مضللة للعالم، الذي تابع حيثيات الجريمة باهتمام، ألا تمييز في إسرائيل، لكن بالتأكيد وكما في المرات السابقة سيطلق سراح الإرهابيين، بل سيكافأون على فعلتهم.
حماية رسمية
وهنا يقفز إلى الذهن التساؤل أين هم المستوطنون الذين تورطوا في دم الفلسطينيين وارتكبوا جرائم بحقهم على مدى الأعوام الماضية؟ ويأتي الجواب سريعاً أنهم طلقاء أحرار يسرحون ويمرحون، تتوفر لهم الحماية لارتكاب المزيد من الاعتداءات بحق الفلسطينيين.
ودليل ذلك أنه لو كانت إسرائيل جادة في محاربة الإرهاب اليهودي فإنها ستوقف جميع المتورطين في الجرائم والاعتداءات والانتهاكات بحق الفلسطينيين، خصوصاً أن أحد عشر ألف اعتداء من قبل المستوطنين ضد الفلسطينيين سجل منذ العام 2004، ما يعني أن أحد عشر ألف مستوطن على الأقل متورطون في هذه الانتهاكات، لكن دولة الاحتلال توفر لهم الحماية وتدعمهم بالمال والسلاح لارتكاب المزيد من العربدة.
حماية ذاتية
والملاحظ أنه في السنوات السابقة وتحديداً قبل العام 2000 لم تكن جرائم المستوطنين بهذا المستوى، بل لم تكن تذكر، ويعود السبب إلى أن المستوطنين كانوا يحسبون ألف حساب قبل الإقدام على أي حماقة لأنهم يعلمون أن الفلسطينيين لهم بالمرصاد والموت ينتظرهم، فهناك مقاومون يذودون عن مدنهم وقراهم وتجمعاتهم والأمة على قلب رجل واحد، أما اليوم فقد حيّدت المقاومة وسلاحها وتُرك النضال وأشرعت الأبواب أمام العصابات الصهيونية كي تفعل ما يحلو لها من دون أي تبعات.
وعليه فإن على الفلسطينيين أن يكفوا عن التعويل على إسرائيل وجيشها وقضائها المتحيز والعنصري وأن يعتمدوا على ذواتهم في كف يد عصابات المستوطنين، ويكون ذلك بإنشاء لجان شعبية للدفاع عن المدن والقرى والتجمعات الفلسطينية في مواجهة قطعان المستوطنين، وتكون هذه اللجان مسلحة بما تيسر من السلاح الحربي والأبيض وبتمويل ذاتي، وبعد أول حادثة يقتل أو يصاب فيها أحد المعتدين لن يُرى لهم أثراً، لأن اعتداءاتهم ليست قوة فيهم بل هي بسبب هوان الأمة وتحييد مقاوميها.
إلغاء المقاومة
أن يخرج أحدهم ويقول إن الرد على جريمة حرق الرضيع علي دوابشة بتصعيد المقاومة الشعبية فإن ذلك مدعاة للسخرية والتندر لأن آنفة الذكر هي التي جرأت هؤلاء الجبناء على الفلسطينيين خصوصاً بعد إلغاء المقاومة والكفاح المسلح من قاموس السلطة الفلسطينية بعد العام 2004.

