«سمعنا صوتكم.. شكراً.. إذهبوا الى بيوتكم، واتركوا لنا الباقي».. ثم يذهب الصوت.. هذا ما يخشاه المحتجون على تردي الخدمات في بغداد والمحافظات العراقية الاخرى، مشيرين الى ان هناك جهات سياسية تحاول تجيير التظاهرات لصالحها، وتسخير الكثير من المال السياسي لـ«حرف مسار الاحتجاجات»، الأمر الذي استدعى الاسراع بتشكيل لجنة تنسيقية، لضمان ديمومة الاحتجاجات وتوسيعها والوقوف بوجه محاولات تمييع المطالب الجماهيرية.
والى جانب اللجنة التنسيقية، كشفت مصادر إعلامية ناشطة في مجال الحراك الشعبي، عن تشكيل لجان متخصصة بتنظيم عمل التظاهرات، تعمل على تعبئة الجماهير ضد تردي الخدمات والفساد، مؤكدة أن ساحة التحرير في بغداد، ستشهد الجمعة المقبل تظاهرة كبيرة، «قد تتحول الى اعتصام مفتوح» اذا ما لاحظ المحتجون وجود تسويف ولامبالاة من قبل الحكومة، محذرين من تكرار سيناريو «الـ100 يوم التي حددتها حكومة نوري المالكي السابقة، لإصلاح الأوضاع في اعقاب انتفاضة عام 2011، ثم قامت باعتقال وتصفية الكثير من الناشطين، من دون تحقيق أي شيء على ارض الواقع، بل بالعكس، استمرت الاوضاع بالتدهور من سئ الى أسوأ».
ويشدد الصحفي والناشط المدني غضنفر لعيبي، على ضرورة استثمار «التظاهرات في تصحيح مسار عمل الحكومة»، مطالبا المتظاهرين بـ«الضغط عليها من اجل تحسين الخدمات وإبعاد المفسدين».
ويضيف لعيبي إن «تردي الخدمات، لاسيما ما يخص الطاقة بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة، اثار سخط المواطنين، الذين انتفضوا ضد تجار السياسة».
ويحذر الصحفي لعيبي من «استمرار محاولات السياسيين استغلال جهود الناس البسطاء»، معربا عن اعتقاده بأن «المواطن لم يصل بعد الى مرحلة الوعي الذي يؤهله للتمييز بين التظاهرات الوطنية، وتلك المدفوعة الثمن التي تقف وراءها اجندات سياسية».
ويؤشر الناطق الذي يعد احد منظمي تظاهرة ساحة التحرير، لـ«وجود مساع لحرف الاحتجاجات لصالح جهات سياسية معينة»، وفي حين قلل من أهمية ذلك، وقال ان هناك مشاركة في تلك التظاهرات التي وعد باستمرارها، «لأشخاص وطنيين يعملون بقوة من اجل الضغط على الحكومة لتوفير الخدمات تارة، ومحاولة منع تسييس التظاهرات واستثمارها لأغراض حزبية وفئوية تارة اخرى».
وكان المئات من المتظاهرين خرجوا الجمعة الماضية للتظاهر في ساحة التحرير ضد تردي الخدمات والفساد الحكومي، مهددين باعتصامات مفتوحة ما لم تحقق مطالبهم.
ويتابع لعيبي، ان هناك شبابا ما زالوا يعملون منذ تظاهرات فبراير 2011 وحتى الان بجهود مالية متواضعة، برغم تعرضهم للابتزاز.
ويرى لعيبي، ان التظاهرات الاخيرة حركت بعض كبار الساسة «للدخول على خط الاحتجاجات طمعا في مكاسب سياسية»، مشيراً الى ان «الأحزاب الكبيرة التي استحوذت على أموال العراقيين، سخرت الكثير من اجل تغيير مسار الاحتجاجات الشعبية».
ويخلص لعيبي الى مطالبة الحكومة بـ«الاستجابة السريعة للمطالب المشروعة للمتظاهرين والإنصات لصوت الشعب».
ديمومة
بدوره، يؤكد جعفر صادق، احد الداعين الى التظاهرات، ان كثيرا من الناشطين في مجال حقوق الانسان يتحدثون عن ديمومة التظاهرات في بغداد والمحافظات حتى تحقيق المطالب بتحسين الخدمات، وان شعار تظاهرات الجمعة المقبلة في ساحة التحرير سيكون «جمعه ورا جمعة والفاسد نطلعه».
ويضيف صادق في تصريح صحفي، ان الجهات الداعية والمنظمة للتظاهرات «هي قوى مدنية وديمقراطية، وحلقة مجتمعية محيطة بها»، مردفا ان تلك القوى «مازالت تمثل اقلية داخل المجتمع، لكنها استطاعت تحقيق عامل التأثير، وتعمل حاليا على جذب الاغلبية الصامتة التي لا تزال تراقب الاحداث».
ويتابع ان «مطالب المتظاهرين تركز على توفير الخدمات ومحاسبة المفسدين وتقديمهم للقضاء بسقف زمني محدد، لكي لا يتم تسويفها وتمييعها كما حدث مع حكومة الـ 100 يوم»، في إشارة إلى وعد أطلقته حكومة المالكي في فبراير 2011 بمعالجة نقص الخدمات خلال 100 يوم.
ويشير صادق الى ان الشعب مازال يعاني من فشل الحكومات المتلاحقة في «نقص الخدمات وتفشي الفساد وانتشار البطالة وغياب الامن وعدم وجود رؤية حقيقية لبناء دولة مبنية على أسس المواطنة»، لافتا الى أن «ما يثير السخط والسخرية في الوقت ذاته هو استهزاء المسؤول أو صاحب القرار بهذه المطالب محاولاً التملص من مسؤوليته».
ويلاحظ صادق ان هناك «جهاتٍ حكومية تحاول ايهام الرأي العام بتبعية التظاهرات لأطراف سياسية معينة، وتصويرها على انها مؤامرات دُبرت بليل».
ويشير الى وجود تعبئة واسعة للدفع باتجاه توسيع دائرة المشاركة في تظاهرت الجمعة المقبلة «لأنها الوسيلة الكفيلة والناجعة لانتزاع الحقوق والمطالب».
اعتراف
يقول وزير الموارد المائية السابق، عبد اللطيف جمال رشيد إن «المشكلة الأسوأ التي تواجه جديّة الطبقة السياسية بمختلف تشكيلاتها ومراجعها هي أنها طبقة تعمل مع الأسف الشديد وسط بيئة فساد مصنفة على أنها من أخطر وأتعس بيئات الفساد في العالم»، مضيفاً أن هذه الطبقة «لم تنجح في أن تحصن نفسها وتمنع سوء الظن بها من التفاقم، وذلك لأنها لم تقدم حتى الآن مفسدين كباراً إلى القضاء ولم تتخذ اجراءات فعلية ضد هؤلاء المفسدين، بل على العكس من ذلك نرى ونسمع بمطالبات الفاسدين وعلى شاشات التلفزيون بإجراءات محاربة الفساد».
ويردف الوزير السابق: «لعلنا جميعاً مسؤولون عن فساد بناء الدولة.. في البناء والادارة والقيادة، فشلنا جميعاً نحن الذين أتيح لنا أن نكون بمواقع القيادة في ادارة الدولة والتحول نحو البناء الديمقراطي الاتحادي للدولة».