خفتت انتقادات الأحزاب السياسية – الدينية للتظاهرات الجماهيرية، إثر انضمام الكثير من أعضائها إلى المحتجين، ما اضطرها إلى تغيير مواقفها، والسعي إلى «ركوب الموجة»، بعد أن اتهمت المحتجين بـ«التآمر»، وأن ما يقومون به «أمر دبر بليل»، إضافة إلى إطلاق تصريحات تفيد بأن «الشيوعيين» هم من يوجهون هذه الاحتجاجات، وأن «منظمات المجتمع المدني» داعمة لها، واتهام هذه المنظمات، المسجلة رسمياً لدى الحكومة، بأنها «ابتكار أميركي»، متناسية الدعم الأميركي المتواصل لها، وأنها ما كانت لتأتي إلى الحكم لولا «الدبابة الأميركية»، وأنها فشلت، كلها، في تحقيق أي شيء للشعب العراقي الذي تتجه الموجة فيه الآن إلى الحكم المدني، بعد أكثر من 12 سنة من حكم الأحزاب الدينية التي يتهمها المتظاهرون بأنها «تسرق باسم الدين».

داعش والفساد

ويرى المراقبون أن الحكم العشوائي والأداء المتدني والسلبي للأحزاب الدينية الطائفية، هو الذي أنجب «داعش» وتسبب في الخراب الشامل في البلاد، وأن ما يجري ليس احتجاجاً على أزمة الكهرباء، وإنما على كل الأزمات التي تعصف بالبلاد، وتأتي قضية الكهرباء في المقدمة، كونها المحرك الأساس للحياة الاقتصادية والمدنية، بعموم مفاصلها، فيما تبرز إلى جانبها الأزمة الأكبر، وهي أزمة الوقود الذي يحرك الكهرباء، وغيرها، حيث لا يعقل أن يعجز بلد النفط طوال أكثر من 12 سنة عن إنجاز مصفاة نفطية، واستمر بالاعتماد على مصافي النظام السابق التي توقفت أخيراً، إلى جانب إنفاق مليارات الدولارات لاستيراد الوقود والمشتقات النفطية.

وبعد إنفاق 37 مليار دولار خلال السنوات الثماني الماضية، للنهوض بقطاع الكهرباء، أعلنت الوزارة المختصة عن تمكنها من إنتاج 12460 ميغاواط، أي ضعف ما كان ينتج قبل 2003 الذي أنجز بالرغم من الحصار الاقتصادي، وتدمير كل المنشآت الكهربائية في حرب 1991.

وفي حين عدت ذلك أعلى رقم تصل إليه المنظومة الوطنية في تاريخها، عزت تلك الزيادة إلى وصول دفعات من الوقود من وزارة النفط لمحطاتها التوليدية، مشيرة إلى وجود العديد من محطاتها خارج الخدمة.

وقد امتدت موجة الاحتجاجات من ساحة التحرير في بغداد، لتشمل محافظات الجنوب والوسط، حيث يلاحظ فيها حسن التنظيم، وعدم التجاوز على أي من الممتلكات العامة، وكذلك التوازن في الشعارات، والأهم في هذا الحراك، الدور البارز الذي تلعبه نخبة المثقفين، من أدباء وفنانين وصحافيين وأساتذة أكاديميين، ما دفع التيارات الطائفية إلى وصفها بـ«اليسارية».

بابل تنضم

وشهد ليل الأحد – الاثنين، انضمام محافظة بابل، جنوب بغداد، إلى موجة الاحتجاجات، حيث أكد آلاف البابليين، أن الفساد والإرهاب وجهان لعملة واحدة، وينبغي مكافحتهما معاً. ويقول مراسلون صحافيون إن مدينة الحلة، مركز المحافظة، (100 كم جنوب العاصمة بغداد)، شهدت أكبر تظاهرة في تاريخها، شارك بها الآلاف من مواطني بابل، أمام مبنى المحافظة، وسط إجراءات أمنية مشددة، حاملين شعارات عدة منها «لا للفساد والفاسدين»، و«داعش والفساد وجهان لعملة واحدة»، وذلك للمطالبة بمحاربة الفساد وتوفير الخدمات.

مشهد فريد

ويقول الناشط المدني وعضو اللجنة المنظمة للتظاهرة، قتبية الأعرجي، إن السماء أمطرت وطناً وحباً وشباباً غصت بهم الشوارع المحيطة بديوان محافظة بابل، برغم شدة حرارة الجو، في مشهد فريد لم تشهده الحلة منذ سنين، يعبر عن رفض المواطنين للفساد وتردي الخدمات، مشيراً إلى أن اللجنة المنظمة للتظاهرة، حددت الشعارات الخاصة بالمناسبة ولم تسمح لأحد بتجاوزها إطلاقاً أو استغلال التظاهرة لأهداف سياسية.

من جانبها، تقول الناشطة أزهار جابر، إن أهالي بابل انتفضوا اليوم احتجاجاً على سوء الخدمات العامة التي تتراجع من سيئ إلى أسوأ، كالكهرباء والماء والنظافة والحالة المزرية لضفاف شط الحلة وواقع التعليم والصحة، فضلاً عن الفساد، مبينة أن المتظاهرين دعوا إلى دولة مدنية يسودها العدل والمساواة والإخاء. إلى ذلك، يقول الإعلامي والناشط المدني، حيدر الجلبي، إن«حناجر الجماهير البابلية صدحت عالياً ضد الفاسدين مطالبة بضرورة محاكمتهم وتطهير دوائر الدولة والعملية السياسية منهم».

مواقف

رصدت وسائل الإعلام التحول في موقف محافظة البصرة من التظاهرات الغاضبة هناك، فبعد أن كانت تصفها بالمؤامرة، وتجبر موظفيها على مراقبة النشطاء، وتحث القوات الأمنية على النظر إليها بعين الريبة، تغير الموقف فجأة وبدأت تلك القوات بحماية التظاهرات وتقديم الماء البارد لأفرادها. ويعزو الناشط المدني نقيب اللعيبي الذي يعتبره الناشطون العقل المخطط، ذلك التحول إلى أن «التظاهرة الحاشدة والمنظمة أرعبت المسؤولين في المحافظة، فأخرجتهم مستسلمين لها لتسلم مطالبها». ويبدي تفاؤلاً بتحقيق المطالب.