عاد الصراع القبلي في مدينة الكُفرة الليبية (جنوب شرق) إلى نقطة الصفر بسقوط عشرات القتلى والمصابين وتهجير مئات السكان من منازلهم التي تعرضت في ما بعد إلى النهب والحرق والهدم، حيث اتخذ الصراع أبعادا تصعيدية بين قبيلتي الزوية العربية والتبو الليبية الزنجية ذات الخصوصية العرقية والثقافية المرتبطة بالجذور الإفريقية، فيما اتهمت أوساط جماعة الإخوان وتنظيم داعش بتأجيج هذا الصراع.

ومنذ 25 يوليو الماضي شهدت مدينة الكفرة معارك قبلية أدت الى سقوط أكثر من 20 قتيلا وعشرات الجرحى، وقامت ميليشيات مسلحة بحرق 60 مسكنا في حي النسيج الذي غادره سكانه بسبب المعارك.

وأعلن مسؤول أمني محلي أن سبب إثارة العنف هو وقوع هجوم على نقطة تفتيش أمنية في المدينة، وأن المعارك أدت الى سقوط 23 قتيلا على الأقل من بينهم 20 قتيلا من قبيلة التبو.

وفي حين اتجه وفد من قبيلتي الزنتان (غرب) والمغاربة (شرق) الى المدينة للتوسط بين طرفي النزاع، دعت الحكومة الليبية المؤقتة كافة أبناء مدينة الكفرة إلى ضبط النفس والاحتكام للعقل وعدم الانجرار خلف الصراعات، كما طالبت كافة المتقاتلين في المدينة بإعطاء الفرصة للحكماء والأعيان للتدخل ونزع فتيل الأزمة.

وقالت الحكومة ان على الجميع التعاون والتنسيق مع القيادة العامة للجيش المتمثلة في آمر المنطقة العسكرية بالكفرة، مجددة دعوتها لكافة أبناء ليبيا بعدم استخدام السلاح في النزاعات، مطالبة إياهم باللجوء للمساعي السلمية.

كما نادت وزارة الحكم المحلي في الحكومة الليبية المؤقتة المتقاتلين في الكفرة بالتوقف عن القتال ونبذ العنف وتحكيم العقل وحثتهم على العودة للمسار السلمي في حل النزاع.

وأفادت الحكومة المؤقتة أن وفداً حكومياً نجح في ختام زيارة قام بها الى المدينة في عقد لقاء بين وفدي القبيلتين بصالة مطار الكفرة، وتعهد الحاضرون بالبدء في مصالحة شاملة تضمن حقوق الجميع وتؤسس لمدينة خالية من الصراعات. كما تعهد وفد الحكومة بدعم كافة المبادرات وتذليل الصعوبات التي تواجه تطبيق المصالحة الدائمة.

أطراف خارجية

في الأثناء، اتهم عيسى عبدالمجيد مستشار رئيس البرلمان الليبي وزعيم قبائل التبو جماعات ارهابية بالوقوف وراء تطورات الأوضاع في المدينة. وقال في تصريحات صحافية ان «جماعات ارهابية تنتمي للإخوان المسلمين بليبيا وتنظيم داعش وانصار الشريعة تقف وراء الأحداث الدموية بالمدينة، كي لا يكون هناك استقرار»، متهما تنظيم داعش «بقتل ليبي من قبيلة التبو، وان هذا التنظيم تقف وراءه دولتان إقليميتان لخلق فتنة، حيث شهدت الكفرة مصالحات مثمرة في الفترة الماضية تمت برعاية المجلس البلدي، غير أن اشعال نار الفتنة جاء عبر شخوص تنتمي الى مجموعات ارهابية»، وفق تعبيره.

وبحسب العضو السابق عن الكفرة بالمؤتمر الوطني المنتهية ولايته التواتي العيضة فإن «لا أحد يستطيع إنكار أن ما يحدث في المدينة صراع قبلي»، مضيفاً أن «الكفرة بها تقريبا 20 قبيلة، منها قبائل عربية وقبائل افريقية، ففي مقابل وجود التبو الليبيين وهم من مكونات ليبيا والمنطقة، توجد لدينا كذلك في الكفرة عدة قبائل تشادية موجودة معهم، فمثلاً قبائل مثل «داوزا والأناكزة والكركداة والكردية والكمجا والأوجانقة»، هذه قبائل لا يمكن أن تكون ليبية، وهي موجودة في الكفرة وتشكل أصل الصراع هناك، بل إن الصراع شمل أيضا صراعات لحركة العدل والمساواة مع فصائل من دارفور على الأرضي الليبية».

ويضيف التواتي، «عندما كان الصراع في السابق يحدث بين التبو والزويّة، كان يحل قبليا بسهولة، اما سبب تعقد الأمور اليوم فيعود الى وجود الأجانب وما يحملونه من أجندات، وبعض هذه الأجندات انفصالية، فمثلاً تروج حركة العدل والمساواة أن الجنوب وصولاً إلى جالو سيكون حدود دولتهم» وفق تعبيره.

يذكر أنه توجد قوات ليبية - سودانية مشتركة في المثلث الواقع بين تشاد والسودان ومصر، وتوجد القوات الليبية أيضا في قاعدة السارة على الحدود التشادية، ولكن بالنظر لحجم الجنوب والحدود الطويلة يحتاج الجيش هناك إلى دعم أكبر، خاصة قاعدة السارة التي يجب أن تفعل وتدعم بطيران حربي متطور.

في الأثناء، حذّر المؤتمر الوطني الليبي العام المنتهية ولايته ما سماها «الدول المتورطة في شأن الجنوب الليبي، من مغبة العبث بأمنه واستقراره أو بتركيبته السكانية أو ثروته الطبيعية»، وشدد في بيان على أن «ليبيا ستتخذ كافة الإجراءات الكفيلة بحماية شعبها وحدودها، وأن عدالتها ستطاول الخونة والمعتدين»، وفق البيان الذي أضاف أن «ما يشهده جنوب البلاد من الكفرة شرقاً إلى سبها وأوباري غرباً، بكل تأكيد مؤامرة خارجية تغذيها دول بعينها لا تريد الاستقرار لليبيا وتتآمر ضد ثورتها بمشاركة قوى مضادة للثورة».

مواجهات

شهدت الكفرة سلسلة من المعارك الدامية منذ الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي، حصدت مئات القتلى. وفي 11 مايو الماضي أكدت الحكومة المؤقتة قرب عقد اتفاقية مصالحة بين قبيلتي الزوية والتبو برعاية الحكومة يتم بموجبها عودة الحياة الطبيعية إلى المدينة وطي صفحة السنوات الأربع الماضية من الاشتباكات.