فجأة انقلبت تركيا على تنظيم «داعش» الإرهابي، وبدأت بشنّ غارات في عمق الأراضي السورية، كما فتحت قواعدها أمام التحالف الدولي ضد التنظيم، بعد أن كانت العقبة الرئيسية أمام تنفيذ بنود مؤتمر بروكسل بوقف تدفق المقاتلين الأجانب.

أنقرة، التي لديها أطول حدود مع سوريا والعراق، كانت قد وضعت شروطا للانضمام إلى التحالف، مبررة رفضها بالتشكيك في أهداف الحملة الدولية ضد «داعش»، ومعلنة تمسكها بالإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد بدلا من ذلك. إلا أنها اليوم اتخذت من الهجوم الانتحاري الذي نفذه التنظيم في بلدة سروج الحدودية منطلقا للتدخل العسكري، وفق أجندتها الخاصة.

اتفاق أميركي تركي

وقال رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو إن الخطر الذي يشكله «داعش» يأتي في صدارة الأجندة التركية، مؤكدا أن العمليات العسكرية تنفذ دون إبلاغ دمشق بها، وأن القوات المسلحة على الحدود تلقت أوامر صريحة بإطلاق النار على أي أهداف تهدد أمن البلاد.

وأصبحت مطالبة أنقرة بمنطقة حظر طيران تمتد داخل الأراضي السورية مطلباً مقبولاً أميركياً، وتوصل الطرفان إلى اتفاق للتصدي لمسلحي «داعش»، في مقابل السماح بفتح قاعدة «أنجرليك» التركية أمام الطيران الأميركي، ما يوفر ألفي كيلومتر في عمليات ضرب قواعد التنظيم في سوريا والعراق.

الجبهة الكردية

هذا التحول في الموقف التركي أو ما يوصف بأنه حرب مزدوجة يمثل مكسباً داخلياً لأنقرة، ويحقق أهدافا إستراتيجية لنظام رجب طيب أردوغان، فهي ضربة لتمدد أكراد سوريا في مناطقها الشمالية المحاذية للحدود التركية من خلال منطقة حظر الطيران، كما أنها تستهدف بشكل مباشر حزب العمال الكردستاني شمالي العراق.

لا سيما أن أنقرة لم تخفِ قلقها حيال العلاقة بين «حزب الاتحاد الديموقراطي» الذي يشكل مسلّحوه القوة الضاربة للأكراد السوريين، و«حزب العمال الكردستاني» المحظور في تركيا، والذي خاض معركة دموية طويلة مع النظام.

وتطال عمليات القصف التي ينفذها الطيران التركي أهدافا شمالي العراق لحزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا، كما شملت حملة الاعتقالات الواسعة التي شنها الأمن عناصر من الحزب، الذي أعلن انهاء الهدنة مع أنقرة ردا على الهجوم على معسكراته.

إلا أن صحيفة «ذي غارديان» البريطانية اعتبرت أن مشاركة تركيا في الحرب مؤشر بالغ الأهمية، معتبرة أن فتح جبهتين في آن واحد سيجني «نتيجة معقدة على الأرض في تركيا نفسها».

شعبية أردوغان

كذلك، تحقق الحرب على «داعش» مكاسب خاصة لأردوغان بعد صفعة الانتخابات البرلمانية وتدني شعبيته لأدنى مستوياتها لأسباب عدة، من بينها اتهامه بدعم التنظيم المتطرف.

ونشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية مؤخرا تقريرا نقلا عن مسؤولين في أجهزة استخبارات غربية يؤكد شراء تركيا النفط من التنظيم في العراق، كما نشرت مجلة «نيوز ويك» الأميركية تقريرا عن تغاضي الشرطة التركية عن نشاط المنتمين للتنظيم.

وشهد الشارع التركي تظاهرات ومواجهات عنيفة تطالب أردوغان باتخاذ موقف حازم حيال التنظيم الإرهابي. كذلك، تحسن سياسة أردوغان الجديدة صورته في المنطقة والعالم، حيث تلاحقه اتهامات بدعم «داعش» أو على الأقل غضّ الطرف عنه، كما أنها تعطي غطاء دوليا لموقفه المعادي للتمدد الكردي.

إزاحة الأسد

مكسب جديد قد تحققه تركيا من الحرب، إذ انها تمهد لإزاحة الأسد غريم أردوغان. فالرئيس التركي كرر وصفه للرئيس السوري و«داعش» بأنهما وجهان لعملة واحدة، معتبرا أن السبيل الوحيد للقضاء على الإرهاب هو إيجاد حل حقيقي للأزمة السورية، لا يشمل بقاء الأسد في السلطة.

أداة

من المتوقع أن تغير منطقة حظر الطيران في معادلة الحرب في سوريا، فهي ستكون محرمة على طيران الأسد بعمق 50 كيلومترا داخل الأراضي السورية وامتداد 90 كيلومترا. ويقول مدير تحرير مطبوعة «ذا توركي أناليست» خليل قراولي: «رغم أن تنظيم داعش أصبح مشكلة، إلا أنه اليوم أداة ملائمة بالنسبة لأردوغان».