لا يخفى اهتمام التنظيمات الإرهابية بالإعلام، وتوجهها نحو توظيفه لأغراضها على نطاق واسع؛ ولكن ما تناقلته وسائل الإعلام ومراكز رصد حول جهود تنظيم داعش المتطرف في هذا المجال يرسم صورة أكثر اتساعاً، وحرفية، تصل إلى درجة استخدام وسائل الإعلام المعادية، والسيطرة عليها من خلال فهم حاجاتها، واستيعاب سياساتها في النشر، والسيطرة عليها من خلال تأمين ما يغريها بملاحقة أخبار التنظيم، وإبرازها، وجر وسائل الإعلام إلى الانسياق وراء منطقها، واشغالها عن الانتباه إلى رسالة التنظيم الإعلامية المبثوثة في سياق ذلك.
ممارسات بشعة
وفي هذا المجال، تبرز «مانشيتات» الصحف، وعناوين أخبار التلفزة، وأولويات النشرات الإخبارية، والمواد الفلمية المبثوثة في السياق، حقلاً أولاً لـ«غزو» التنظيم، وقناة لتسريب رسالته الإعلامية، مستخدماً في ذلك أبشع الممارسات، وأكثر المسلكيات إثارة للاستهجان الانساني؛ ما مكن التنظيم في فترة قياسية من حبس أنفاس وسائل الإعلام بانتظار خطوته.. جريمته التالية.
في المحصلة، استقرت وسائل الإعلام على إعطاء «مانشيت» تنظيم داعش الأولوية الأولى، في امتياز لم تحصل عليه بقية التنظيمات الإرهابية الأخرى. وهكذا، بات من العادي أن تجتمع الصحف ووسائل الإعلام، دون سابق اتفاق، على اختيار «مانشيت» يبرز أفعال تنظيم داعش، مع إغفال غير مقصود للجهود التي تنال من التنظيم، وتحبط أفعاله؛ فتأتي الأخبار أن التنظيم فعل وفعل وفعل، دون ذكر لما فشل في فعله، أو ما فعله في مقاومته مكافحوه.
وهذا بالطبع، يقع في باب الدعاية المجانية، ليس لأنه فقط يسلط الضوء على أفعال التنظيم، بطريقة تصوره ضمنياً كياناً غير قابل للهزيمة، يمتلك مجالاً للمناورة لا حدود لها، ولكن لأنه كذلك يترك في العتمة الجهود التي تواجه التنظيم وأفعاله، وتشل من حركته في أحيان، وتفشل مخططاته في بعضها الآخر.
تركيز اعلامي
الملفت هنا، أن التنظيم رغم تشتت مناطق سيطرته، والظروف القسرية التي يمارس فيها تحكمه وقيادته لفصائله في المناطق المختلفة، يبدو مركزاً جداً في سياسته الإعلامية، ويظهر قدرة في ادارة استراتيجية اعلامية موحدة، تخدم أهدافه. بينما في الجهة المقابلة، لا يبدو أن جهود مكافحة التنظيم تستند إلى استراتيجية موحدة، أو تستند إلى تحليل واضح للسوك الإعلامي للتنظيم.
وأسباب هذا واضحة، فمعسكر مواجهة ومكافحة التنظيم الإرهابي مختلف في توجهاته، واستراتيجياته، وغير موحد في الميدان؛ وحتى هدف مكافحة التنظيم الإرهابي، على وجاهته، لم يتحول حتى اليوم إلى هدف مشترك من مستوى اتفاق الحد الأدنى، يجمع بين الأطراف والقوى السياسية الدولية المتناقضة. وهذا سيظل دائماً دافعاً للتنظيم لاجتراح جرائم جديدة، تمكنه من المحافظة على صدارة الواجهات الإعلامية، واختطاف «مانشيتات» الصحف.
اهمية كبرى
ويبدو هذا مهماً للغاية، بالقدر الذي يولي فيه التنظيم الإرهابي أهمية خاصة للإعلام في استراتيجيته. وهذه الأولوية التي يمنحها التنظيم للإعلام، وثقته بمعرفة «اعلامييه»، لافتة جداً، ومفتقدة في معسكر مقاومي آفة الإرهاب، التي يتبع فيها الإعلاميون السياسة في الإعلام، ولا يمكنهم المشاركة في وضع استراتيجية ناجعة لموجهة الجهد الإعلامي للقوى الإرهابية، ما يعطل من قدرتهم على مواجهة الأثر الإعلامي الكارثي المقابل.
ومن الملفت أن التنظيم رغم استعدادات أعضائه وقياديه المتواضعة، معرفياً ومن حيث مستوى المهارات القيادية، يظهرون حذاقة في الاعتراف بدور الإعلام، ولا يخضعونه لهوسهم القيادي والمتطرف؛ ما يفرض، بالمقابل، إطلاق الماكينة الإعلامية لمواجهة التنظيم المتشدد وفكره المتطرف، في الميدان وفي الداخل العربي، بالاستعانة بمعايير الحرية والمهنية، التي يحددها الإعلاميون. الذين هم أخبر بأدواتهم.!
