اختلفت الآراء والمواقف حول معارك الأنبار، ومواعيد انطلاقها، والمدة الزمنية المحددة لها، إلا أن هناك نوعاً من التجاهل لتسلسل الأحداث، وأهمها أن الحملة العسكرية ابتدأها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي في 25 مايو 2013، ولم تتوقف حتى الآن، وكان هدفها الأول هو السيطرة على المناطق الصحراوية، تم تفسيرها آنذاك بأنها محاولة للالتفاف على ساحة اعتصام الرمادي وضربها، بعد انسحاب المتشددين منها إلى ساحة الفلوجة، وهذا ما حصل بالفعل، في أواخر العام 2013، بعد الخسائر التي منيت بها القوات الحكومية في منطقة وادي حوران.
البحث عن اسم
بعد تلك المرحلة تم الإعلان عن حملات عسكرية عدة، أسفرت عن تمكن تنظيم داعش من السيطرة على مدينة الرمادي، مركز محافظة الأنبار، أعقبها مباشرة الإعلان عن «ساعة صفر»، لاستعادة الرمادي، لم تسفر عن نتيجة، ثم جاءت ساعة صفر أخرى، غير معلنة، حيث أعلنت ميليشيات الحشد الشعبي في 13 من الشهر الحالي، انطلاق معركة الفلوجة، فيما أعلنت وزارة الدفاع العراقية في اليوم نفسه عن انطلاق «معركة تحرير الأنبار»، التي ما زال البحث جارياً حتى الآن عن تسمية لها.
وقال الناطق باسم قيادة العمليات المشتركة العميد يحيى الزبيدي إن «القيادة ستلتقي قائد العمليات الفريق الأول طالب جغاتي، وسيتم طرح مسألة تسمية العمليات العسكرية الجارية في محافظة الأنبار لتحريرها من الإرهابيين».
عمليات ارتجالية
ويرى المراقبون السياسيون والعسكريون أن الارتجال هو سيد الموقف في المعارك الحالية، إضافة إلى التشتت الميداني، والعمل وفق رد الفعل المخطط له من قبل تنظيم داعش، الذي يتعمد الانسحاب من منطقة معينة لتستولي عليها القوات الحكومية والميليشيات، ثم يعاود السيطرة عليها، في عملية استنزاف. وما يثير الاستغراب، هنا، هو عدم الالتفات إلى ذلك من قبل القيادات العسكرية.
ويعتقد المراقبون أن العبادي وضع أمام الأمر الواقع من قبل الميليشيات الموالية لإيران وبعض القيادات التي ما زالت على ارتباط مع القائد العام للقوات المسلحة السابق نوري المالكي، بهدف إجهاض مشروع «الحرس الوطني»، وكذلك الحيلولة دون ظهور القوة المسلحة التي تسعى الإدارة الأميركية لتشكيلها من العرب السنة، وبدأت تدريباتها الفعلية لتأخذ دورها، في حال استمرار عرقلة مشروع الحرس الوطني، إضافة إلى أن الجانب الأميركي يرى أن القوات الحالية، ومعها الميليشيات غير مؤهلة حالياً لمواجهة تنظيم داعش، بعد انتكاسات الموصل والرمادي، على الرغم من الدعم الدولي، الذي يبقى عديم الجدوى ما لم تتحقق مصالحة وطنية حقيقية، لا يستطيع العبادي تحقيقها، في ظل النفوذ المتنامي للميليشيات الطائفية، التي تفترض أنها تستطيع انتزاع ما تبقى من الحكم من خلال معارك الأنبار.
ضعف الاستعدادات
هذا الواقع المتشابك، إضافة إلى الانتكاسات والخسائر التي منيت بها الميليشيات، والتدهور الاقتصادي في العراق، دفع الجانب الأميركي إلى إعادة طرح موضوع عدم إمكانية تحقيق تقدم بوجود الميليشيات، وضعف الاستعدادات العسكرية، لخوض معركة سبق أن جربتها القوات الأميركية في الأنبار.
وفي تحديات صريحة لرئيس الحكومة، حيدر العبادي، قال زعيم «عصائب أهل الحق»، قيس الخزعلي، المقرب من المالكي «ليس من حق أحد تنصيب نفسه زعيماً للجيش والحشد الشعبي»، مهدداً بعدم السكوت على «منع الحشد من دخول الأنبار».
وحذّر الخزعلي في تصريح لوكالة «تسنيم» الإيرانية الرسمية، العبادي، من «الخضوع للضغوط الأميركية والبريطانية التي تمنع مشاركة الحشد الشعبي في تحرير الأنبار، ومن خطر الإرهاب على محافظة كربلاء».
واتهم الخزعلي رئيس الوزراء بـ«الاستجابة للضغوط الأميركية، التي حددت مشاركة فصائل معينة في عمليات الأنبار، دون غيرها»، لافتاً إلى أن «ما يجري في الأنبار من تدهور أمني لا يشكل خطراً على الأنبار وعلى العاصمة بغداد فحسب، بل على مدينة كربلاء المقدسة».
وهدّد بالقول إنّ «الحشد الشعبي لن يسمح بمثل هذه المخاطر ولن يلتزم الصمت والسكون تجاهها».
تمرد ميليشياوي
من جهته، قال الخبير في شؤون الجماعات المسلحة، إبراهيم الفهداوي، إنّ حديث الخزعلي هو بداية لتمرد على العبادي، مؤكداً أنّ تعارض مصالح الميليشيات مع مصلحة الدولة هو أمر في غاية الخطورة في وضع كوضع العراق.
وأوضح أنّ الميليشيات تعلم أنّ الوضع الأمني العراقي هو على حافة الهاوية، وأنّها غير مستعدّة للرضوخ لأيّ قرار يحول دون تنفيذها لأجندتها الخاصة، لذا فإنّها ستتحرك لتنفيذ ما تراه، وتتمرد على العبادي وغيره، مع قناعتها أنّ العبادي سيلجأ مضطراً للتفاوض معها، مضيفاً أنّها ستملي ما تريد من شروط على العبادي، الذي لا يستطيع كسر إرادتها ولا كسر إرادة واشنطن.
رفض الميليشيات
وكان مصدر في التحالف الوطني «الشيعي»، قد كشف عن أن الجانب الأميركي، مصر على موقفه الرافض للحشد، باعتباره «تشكيلاً ميليشياوياً» خارجاً عن سلطة الدولة، واشترط تقديم الدعم العسكري والسلاح للعراق مقابل إقصاء الحشد عن المعارك الدائرة في المحافظات السنيّة.
ويشير المراقبون السياسيون والعسكريون، إلى أن الأيام العشرة الأولى من بدء الحملة العسكرية الجديدة، أظهرت مدى الضعف والتراجع العسكري للقوات المشتركة، بعد أن تركت مجالاً واسعاً للتفاؤل بين العراقيين بإمكانية استعادة الأنبار سريعاً، مستعينة بالعدد البشري الهائل للمقاتلين والدعم الإيراني، إضافة إلى الدعم الجوي الدولي الذي لم يتوقف، حيث لم تستطع القوات العراقيّة والميليشيات تحقيق أيّ تقدّم يُذكر.
ديمبسي على الخط
وفي هذا الخضم، وصل رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات الأميركية الجنرال مارتن ديمبسي مساء السبت إلى بغداد والتقى رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، وأكد للعبادي، حسب مصادر مطلعة، أنّ المعركة لم يُعدّ لها بشكل صحيح، وأنّها معركة استنزاف للقوات النظامية.
وكشف مصدر في التحالف الوطني «الشيعي» في تصريح صحافي عن أنّ ديمبسي أكّد للعبادي ووزير الدفاع خالد العبيدي أنّ المعركة لم يُعدّ لها بشكل صحيح.
إبعاد النفوذ الإيراني
وأضاف المصدر أنّ ديمبسي نصح بإبعاد القوات الإيرانية عن ساحة الأنبار بسبب الشحن الطائفي الذي سببته تلك القوات، والاعتماد على قوات العشائر في المعركة إلى جانب الجيش والشرطة الاتحادية والمحلية وإمكانية التنسيق مع العشائر، مؤكداً أن ديمبسي وعد بإنهاك تنظيم داعش وتدمير قوته الصاروخية خلال فترة لا تتجاوز الشهرين، و«خلال ذلك يجب الإعداد لهجوم آخر ذي طابع وطني».
وبحسب المصدر، فإن المسؤول الأميركي نصح رئيس الوزراء حالياً بتأمين إضافي للعاصمة بغداد ومنع التنظيم من التقدّم من محورها الغربي لمسافة 20 كيلومتراً ضمن مدى صواريخه محلية الصنع.
ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، عبد الستار الأحمد، أنّ العبادي لم يمتلك زمام المبادرة في معركة الأنبار، وهذه المعركة لم تكن عراقية، لا قيادة ولا توقيتاً، بدليل أنّ أول من أعلن عن انطلاقها هي ميليشيات الحشد الشعبي.
وقف المعركة
رجّح المراقب السياسي وأستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، عبد الستار الأحمد، أنّ يأخذ العبادي بنصح ديمبسي ويوقف المعركة التي بدت خاسرة منذ بدايتها، خصوصاً أنّه ترك لنفسه خطاً للعودة من خلال عدم تبنيه الإعلان الرسمي عن انطلاقها، موضحاً أنّ «إيران أيضاً ستوافق على قرار وقف المعركة بعد أن أيقنت فشلها».
