لمشاهدة الجرافيك بالحجم الطبيعي اضغط هنا
لاتزال أحداث مدينة غرداية الجزائرية الأخيرة، والتي أوقعت 23 قتيلاً بحسب الروايات الرسمية تلقي بظلالها على الأوضاع في المنطقة وتنذر بتمدد مثل هذه الأحداث إلى خارج المدينة في حال استمرت مسبباتها قائمة، خاصة وأن المعارضة تحدثت عن جهات تستثمر في الأزمة للدفع بالتدخل الأجنبي. في وقت اختارت السلطات المحلية الحل الأمني كأول خطوة لاستتباب الأمن تنفيذاً لتعليمات الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة في هذا الشأن.
واتخذ والي «محافظ» غرداية جملة من الإجراءات والقرارات التي وجهت للتطبيق تهدف إلى استرجاع السكينة في المنطقة. وقال إنه «إثر الأحداث الأليمة التي شهدتها غرداية عموماً، وبلدية القرارة خصوصاً، وما ترتب عنها ولأول مرة، من الضحايا بذلك العدد الكبير، فإن مجلس أعيان المزابيين الجزائريين لقصر غرداية، لا يفوِّت الفرصة ليدعو الجميع وينادي بإلحاح إلى ترجيح العقل على العاطفة والتعقل على الاندفاع».
ورحب ببيان رئاسة الجمهورية، وأكد أنه يتبنى كل قرارات الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، ويندد بكل الأعمال الإجرامية المقترَفَة في حق الأشخاص والممتلكات، كما يرفض أي مساس بالوحدة الوطنية.
استثمار في الأزمة
في الأثناء، أكد الأمين الفيدرالي لحزب جبهة القوى الاشتراكية (أقدم حزب معارض في الجزائر) حمو مصباح، أن الجهة التي تحاول دفع الميزابيين للمطالبة بالتدخل الأجنبي، باستعمال التقتيل والتخريب «لن تنجح في استغلالنا، لأنه لا يمكن لأحد أن يساومنا في وطنيتنا»، مشيراً إلى أن غرداية لن تكون طريقاً لتطبيق أجندة أجنبية دخلت حيز التنفيذ في 2008.
وأكد مصباح، أن حدة الاعتداءات تزايدت منذ 2008، إلى أن بلغت 25 قتيلاً و80 جريحاً، وخسائر بالمليارات، خلال المواجهات الأخيرة، في حين خلفت الأولى 17 قتيلاً، مضيفاً أن نشر 4 آلاف عسكري وشرطي بالولاية لا يحل الأزمة، لأن «هناك أطرافاً تريد الإبقاء على الأزمة في غرداية، بل وتستثمر فيها قدر الإمكان من أجل دفعنا لطلب التدخل الأجنبي، وهو أمر لن يحدث» على حد قوله.
وفي رده على سؤال خاص بالاتهامات المتبادلة بين سكان غرداية حول المتسبب في الأزمة، قال إن «العرب والميزابيين متعايشون لفترة طويلة معاً، والميزابيون ليسوا موجودين فقط في بني ميزاب، بل هم موجودون في جميع الجزائر، ونحن سكان جزائريون نتمتع بمدنيتنا ومواطنتنا الكاملة، كغيرنا من الجزائريين الذين نشاركهم هذا الوطن». وفيما يتعلق باستغلال بعض الأفارقة النازحين في النزاعات، نفى مصباح الأمر مطلقاً، وقال إن الأفارقة موجودون للعمل فقط، وأن العصابات التي تزرع العنف معروفة وسريعة التنفيذ، مؤكداً أن الزيارات الخاطفة التي يقوم بها المسؤولون لن تؤتي ثمارها ما لم تكن هناك إجراءات ردعية لتلك الجماعات ومن يقف وراءها. وخلص للتأكيد أن الطرف الذي يريد الاستثمار في غرداية لن ينجح، لأن الميزابيين لن يسمحوا بأن يتم استغلالهم في أجندة قذرة ضد الوطن مهما كانت الخسائر، مشيراً إلى عودة الحركة التجارية في المنطقة.
مشكلة بناء نسيج
ويرى محللون أن أزمة غرداية في حقيقتها تنطلق من مشكلة بناء نسيج وطني سياسي، لم تتمكن الدولة الجزائرية المستقلة من بنائه في عدد من المناطق الحساسة التي تتميز بخصوصيات ثقافية ومذهبية. فالمشاكل ذات الطابع الاجتماعي، مثل غياب ثقافة الزواج المختلط بين الميزابيين والعرب، ومشكل العقار بعد ظهور نزعة دخول البدو إلى المدينة بحثاً عن فرص أفضل للعيش، ومزاحمة العرب المالكيين الإباضيين على العقار، عجلت بظهور نزاع غرداية الذي يغرق الجزائر في كل مرة تتأجج فيها ناره في مستنقع من الحرب الداخلية بين مكونات نسيجها الاجتماعي.
هذا التمايز الاجتماعي وعدم التجانس بين نسيج المنطقة، جعل المحللين يعتبرون اندلاع أزمة غرداية وتعامل الدولة معها نتاج فشل في تسيير الاختلافات والتنوع، باعتبار أن النظام لم ينتبه إلى أن المنطقة تشهد عدم تجانس اجتماعي وثقافي أعيد إنتاجه. وحملت جهات انزلاق الأوضاع في غرداية النظام مسؤولية أحداث المنطقة، باعتباره فشل في تسيير هذه الاختلافات، ورفض الاعتراف بها، واصفين غرداية بفشل النظام في إدارة التحولات التي تعرفها الجزائر.
عجز الدولة
وبحسب باحثين، فإن أسباب الأزمة تتلخص في عجز مؤسسات الدولة عن ضمان حقوق المواطن الذي يجد نفسه مرغماً على البحث عن مؤسسات بديلة ضامنة، على الأقل توفر له الحماية، ومن هنا ولدت لدى هذا المواطن نزعة للاحتماء بالبنى التقليدية والاصطفاف العرقي والإثني في غياب فاعلية مؤسسات الدولة، معتبرين أن ما زاد من تعميق الأزمة هو التغيرات التي طرأت على المجتمع إثر محاولة انتقاله من مجتمع تقليدي إلى مجتمع معاصر من دون بناء مؤسسات عصرية فاعلة بديلة لتهميش وتقزيم دور البنى التقليدية.
