تبدو المشكلات الكردية – الكردية، أعمق كثيرا، وأكبر مما هي في الظاهر، وربما تكون أكثر تعقيدا من المشكلات بين الأكراد والأطراف الأخرى، وهذه نقطة تحسب لصالح القيادة الكردية في معالجة الأزمات بمرونة، ومن دون ضجيج إعلامي، أو نبش للماضي المؤلم، أو إبراز وقائع الاختلاف في المواقف، التي كشفت الحرب ضد تنظيم داعش بعض جوانبها، ومنها التدخل الإيراني والتركي في الإقليم، بما ينعكس سلباً على الحياة السياسية والعامة.
استغلال هزيمة سنجار
حاولت ايران ايجاد قاعدة لها في سنجار، التي تعد من مناطق نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يرأسه مسعود البارزاني، مستغلة هزيمة البيشمركة أمام هجمة تنظيم داعش في يونيو من العام الماضي، من خلال دخول مقاتلي حزب العمال الكردستاني التركي المعارض، المعروف بعلاقاته الجيدة مع الاتحاد الوطني برئاسة جلال الطالباني، وبدعم من «حشد المالكي»، ما أبرز نقطة خلاف، أو نزاع، تمت تسويتها بتشكيل «قوات زاخو» التابعة لوزارة البيشمركة، وفك ارتباطها مع بغداد وطهران، والاتحاد الوطني، الذي تبنى العملية في البداية.
كركوك في النزاع
ومع إعلان البارزاني عدم السماح لقوات «الحشد الشعبي» بالقتال في أراضي الإقليم، أو التي تعتبر أراضي متنازع عليها، تم الكشف عن امدادات «حشدية» كبيرة ومعدات من بغداد الى مناطق جنوب كركوك، عن طريق مطار السليمانية، وبرر الاتحاد الوطني ذلك، بأنه اُبلغ بأن تلك الامدادات هدفها الدفاع عن بعض «المراقد الشيعية» في داقوق، إلا أنها غيرت طريقها إلى الحويجة وطوزخورماتو، ومناطق أخرى.
ويحاول الاتحاد الوطني تعزيز مواقفه في مناطق جنوب كركوك، حيث يعتبر المحافظة الغنية بالنفط امتدادا لنفوذ السليمانية، لا سيما وهي موطن الرئيسين الطالباني ومعصوم، فيما يعد نفوذ البارزاني ضعيفا نسبياً هناك، إلا أنه يكتسب قوته من كون البارزاني قائدا عاما للقوات المسلحة الكردية.
خلاف حول كوباني
وهنا تبرز نقطة، تم التكتم عليها، وهي ما «همس» به محافظ كركوك، نجم الدين كريم، الذي ينتمي الى حزب الطالباني، بتفضيله أن تكون محافظة كركوك اقليما مستقلا، ما يضمن نفوذا قويا للاتحاد الوطني، الذي يبدو قريبا من بغداد وايران أكثر من أي وقت مضى.
وبمقابل رفض الحزب الديمقراطي للتمدد الإيراني في الاقليم، يعلن الاتحاد الوطني معارضته لإرسال قوات من البيشمركة إلى مدينة كوباني الكردية في سوريا، لمقاتلة تنظيم داعش وقوات الأسد، الى جانب قوات الحزب الديمقراطي الموجودة هناك، وهو ما يفسر بأنه يعطي نوعا من الدعم لقوات الأسد، المدعومة من إيران، ونوعا من الاستعداء بإثارة مخاوف تركية من إقامة كيان كردي مستقل في كردستان سوريا.
تحويل نظام الحكم
وفي ظلّ هذه المتناقضات، تبرز دعوات لإنهاء فترة حكم رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني، من خلال طرح مشروع قانون تحويل نظام الحكم من رئاسي الى برلماني، مع تلويح باحتمال تحويل مدينة السليمانية، مركز الاتحاد الكردستاني وكتلة التغيير، إلى إقليم مستقلّ، كخيار بالنسبة لعدد من أركان الطيف السياسي العراقي الكردي، بعد رفض الحزب الديمقراطي مشروع القانون، كونه طرح في برلمان الإقليم من دون الحصول على التوافق السياسي، الذي تم بموجبه توزيع المناصب في حكومة الإقليم، والحكومة المركزية، بما فيها منصب رئاسة الجمهورية بمقابل رئاسة الإقليم.
تدخل جهات محايدة
ولا تغيب الاتهامات في هذا الصدد لإيران، بالسعي إلى بث الانقسام في الصف الكردي، عبر استخدام حزب جلال الطالباني، المقرّب منها، الذي يسيطر مع حركة التغيير على السليمانية، كبرى محافظات إقليم كردستان العراق.
ويقول برلماني كردي إن «الخلافات بشأن مشروع تعديل دستور الإقليم، تدور حول بند الرئاسة، لارتباطه بالبارزاني وعائلته المتمثلة بنجله مسرور وابن شقيقه رئيس الوزراء الحالي للإقليم نيجيرفان البارزاني».
ويشير البرلماني إلى أن «قوى كردية محايدة تسعى إلى حلّ الخلافات، لكن المساعي تواجه صعوبات، بسبب عدم المصادقة إلى غاية الآن، من خلال استفتاء شعبي، على تعديل الدستور، ما يسمح للبارزاني البقاء بالسلطة، مع حصر جميع الصلاحيات الأمنية والاقتصادية بيده».
مشروع رؤيا الغد
ومن جانبه، يعتبر البارزاني، الذي تنتهي ولايته في 19 أغسطس المقبل، أن «التهديد بتشكيل إقليم السليمانية، مؤامرة لا بدّ من إيقافها»، مبدياً قلقه من استهداف الإعلام الكردي وحدة الإقليم في الآونة الأخيرة، ومعتبرا «انفصال السليمانية مجرد أضغاث أحلام».
ولا ترحّب إيران بالبارزاني كرئيس للإقليم المجاور لها، لأسباب عدة، أبرزها قيادته مشروع الإصلاح والتطبيع مع الجارة تركيا، وفتح ثلاث قواعد عسكرية للولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، بهدف تدريب القوات الكردية، فضلاً عن رعايته مشروع «رؤيا الغد» المتضمن تنظيم استفتاء شعبي داخل الإقليم، لإعلان الانفصال عن العراق وتأسيس الدولة الكردية.
بناءً عليه، تدعم طهران السليمانية، ممثلة بحزب الطالباني، وحركة «التغيير» خصوصاً بفعل العلاقات التاريخية بين الطرفين، التي توطدت في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، إبان الحرب العراقية الإيرانية (1980 ـ 1988).
اختلال الموازين
من جهته، يشير الكاتب والمحلل السياسي عبد الستار البيضاني الى أنه «في كل مرة تظهر هشاشة الاتفاق المعلن بين أربيل والسليمانية، لكن الخلافات هذه المرة تُنذر بانهيار هذا الاتفاق بسبب تزايد قوة البارزاني، وسيطرته على مقاليد الحكم، لا سيما بعد اخفاقات الاتحاد الوطني في الانتخابات، وما أحدثته من اختلال في المعادلة بين الطرفين».
ويؤكد البيضاني أن «استمرار إمساك البارزاني وأبنائه بالقرار الحكومي في الإقليم، سيجعله ساحة حربٍ، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، والأنسب لشعب كردستان، يبقى إفراز أحزاب جديدة ومنفتحة على الجميع».
ويقول الباحث والكاتب الصحفي خالد يونس خالد، إن «التاريخ الكردي تحوّل من الانتفاضات والثورات إلى الحروب والعداوات، وقاتلت القوى القيادية الكردية بعضها بعضاً، ونشطت التصفيات الجسدية والحرب النفسية، في ظلّ تشويه السمعة في الإعلام المتهور، كما أن ضعف وهزالة هذه القوى يظهر جلياً في مواجهة التدخلات الاقليمية، لا بل تتعاون أحياناً مع جهات معادية لتصفية بعضها بعضا».
صراع
شهد إقليم كردستان في تسعينيات القرن الماضي حرباً أهلية بين الفصائل الكردية، وكان أبرز فصيلين فيها، الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، وسقط في هذه الحرب آلاف الضحايا بين قتيل وجريح، وتدخلت خلالها فصائل كردية إيرانية وسورية وتركية مع جانبي الصراع، وانتهت الحرب بتوقيع هدنة ثم اتفاقية لتقاسم مناطق النفوذ، وظلت حالة الانقسام حتى احتلال العراق، ونجاح الولايات المتحدة في جمع الطرفين على طاولة واحدة، واضعة حدّاً للاقتتال الداخلي، كما وحّدت الإقليم، مع احتفاظ أربيل بمركز القرار الكردي.