يدخل لبنان يومه 418 دون رئيس، بعدما فشل مجلس النواب في اختبار الاستحقاق الرئاسي للمرة السادسة والعشرين على التوالي، حيث أدّى تطيير نصاب الثلثين لغياب التوافق على اسم الرئيس على ما جرت العادة، دون عقد الجلسة الانتخابية التي كانت مقرّرة أمس، والتي أجّلها الرئيس نبيه بري إلى 12 أغسطس المقبل، ما أشار مجدّداً إلى إبقاء الانتخاب الرئاسي معلّقاً لأجل غير مسمّى.
وأتى هذا الفشل في خضمّ استراحة الملفات الخلافية الداخلية بعض الوقت، واتجهت أنظار الجميع إلى فيينا لمتابعة وقائع الاتفاق بين الدول الغربية وإيران، والتي انعكست في الداخل اللبناني بقوة، حيث انشغلت الأوساط السياسية في قراءة تداعياته المحتملة على الملفات المحلية العالقة، وأولها رئاسة الجمهورية. وفي السياق، ذهب المتفائلون الى اعتبار الاتفاق مدخلاً مؤكداً لحل الأزمات اللبنانية، في وقت اعتبر آخرون أنه حتى الساعة مجرد اتفاق لا تجوز المراهنة عليه.
خارطة أولية
وسارعت الأطراف السياسية إلى إبداء رأيها في ما تمّ التوصل إليه بين إيران والدول الست الكبرى، إذ أكد الرئيس نبيه بري أن «الاتفاق ليس ما بعده كما قبله». أما رئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب ميشال عون، فغرّد عبر «تويتر» قائلاً: «الاتفاق النووي خطوة واعدة نحو السلام في الشرق الأوسط». كما غرد الرئيس السابق ميشال سليمان عبر «تويتر»، قائلاً: «الاتفاق النووي أسهل من الاتفاق على انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية».
مكاسب دبلوماسية
وأكد الرئيس بري أن إيران حققت مكسباً دبلوماسياً لا لبس فيه، لافتاً الانتباه الى أن ايران بدت كفريق يخوض بلاعبيه المحليين مباراة طويلة من التفاوض ضد فريق آخر هو خليط من أقوى المنتخبات العالمية. ولذلك، فإن النتيجة التي تحققت تُحسَب لإيران أكثر من غيرها. كما توقع أن يكون لبنان واليمن من أوائل المستفيدين من مردود الاتفاق. من جهته، أعرب رئيس الحكومة تمام سلام عن أمله في أن ينعكس هذا التطوّر إيجاباً على الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، بما يساعد على خفض التوترات وإشاعة السلام والاستقرار.
تهليل وتريّث
في السياق، هلّل فريق 8 آذار بقوة للاتفاق النووي، وكأنه انتصار له، في حين تحاشت قيادات 14 آذار إعلان موقف سلبي من الاتفاق، لكنها طالبت برؤية نتائج عملية تحدّ من التدخل الإيراني في شؤون المنطقة، وتترجم التحسّن الذي من المرجّح أن يطرأ على علاقات طهران مع المجتمع الدولي. مع الإشارة الى أن كتلة المستقبل أعربت عن أملها بأن يُشكّل الاتفاق حافزاً لإيران لفتح صفحة جديدة مع العالم العربي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، بدلاً من أن تستمر بسياسة الاستقواء والتدخّل والعمل على فرض الهيمنة والنفوذ. وتمنّت الكتلة أن يُشكّل الاتفاق محطة على صعيد الاعتراف بحق كل دول المنطقة بالاستفادة من الطاقة النووية في الأغراض السلمية، على طريق أن تصبح المنطقة بكاملها خالية من أسلحة الدمار الشامل.
مرواحة أزمة
وإذا كان الانطباع الرئيسي، حول التوقيع على الاتفاق النووي في فيينا، هو التريّث لمعرفة آليات التطبيق وكشف تفاصيل عن ما جرى وراء الكواليس، في ضوء الاشتباك الدائر بين البيت الأبيض والكونغرس، إلا أن هذا التريّث لم يحجب تركيز المساعي على ما يتعيّن القيام به لمنع تعطيل حكومة المصلحة الوطنية، بالتزامن مع فتح دورة استثنائية لمجلس النواب، وتجنيب البلاد أزمة سياسية.
فرص مقاربة
ونقلت مصادر وزارية عن رئيس الحكومة تمام سلام قوله إن الجلسة المقبلة لمجلس الوزراء، في 23 من الجاري، يعتبرها فرصة كبيرة لمقاربة العمل الحكومي ضمن سقف الدستور، لافتة إلى أنه «قرّر أن يفتح الباب للأخذ والعطاء بالنسبة لهذا الموضوع، بهدف الوصول إلى مخرج معيّن»، لكنها أكدت أنه على غير استعداد للزحزحة قيد أنملة عن ما ينصّ عليه الدستور، لناحية عمل مجلس الوزراء، والذي يؤكّد أساساً على التوافق.
ويجدر التذكير بأنه تمّ ترحيل أزمة الحكومة إلى ما بعد عيد الفطر، وذلك بعدما نجح الرئيس تمام سلام للمرة الثانية في كسر دورة التعطيل، وبعدما ربح التيار الوطني الحر تعهّداً بعقد جلسة لمناقشة آلية عمل الحكومة.
حلول استحقاق
وسواء اعتمِدت آلية لمجلس الوزراء في الجلسة المقبلة أم لم تُعتمد، تجدر الإشارة الى أن استحقاق انتهاء ولاية رئيس الأركان في الجيش يحل في السابع من أغسطس المقبل. فإذا تعذّر التعيين، سيكون وزير الدفاع سمير مقبل محكوماً بالتمديد، وهو ما سيسري في نهاية سبتمبر على قيادة الجيش، في ظل تقديرات بأنّ التمديد للعماد جان قهوجي حتميّ مع استحالة توافر الثلثين على تعيين أيّ قائد جديد للجيش.
نهج
وفي انتظار انعقاد جلسة مجلس الوزراء المقرّرة بعد عيد الفطر في 23 من الجاري لتكريس النهج التوافقي، مشفوعاً بالتداعيات الإيجابية على لبنان والمنطقة، والتي يتوسّمها الجميع من الاتفاق النهائي في فيينا بين إيران والدول الغربية على الملف النووي الإيراني، أشارت مصادر لـ «البيان» الى أن تعذّر التوافق على آلية جديدة لمجلس الوزراء، وهو الأمر الأكثر ترجيحاً، يعني أن الحكومة ستكون محكومة بأحد أمرين: إما التعطيل أو الاستقالة. وفي كلتا الحالتين، سيكون القرار رهن إرادات خارجية لا تريد المس بالاستقرار اللبناني، إلا إذا حصلت مفاجآت من نوع إقدام الرئيس تمام سلام على رمي استقالته بوجه الجميع بمن فيهم حلفاؤه.