تعيش الجبهة الشمالية من سوريا سباقاً مارثوانياً مع الزمن، بغية فرز سيناريوهات جديدة، تحمل معها ترسيم تموضعات عسكرية جديدة على الأرض في ظل الاحتراب الحاد بين اللاعبين المحليين والإقليمين والدوليين، حيث يتداخل المشهد الأكثر بروزاً مع مساعي قوات وحدات حماية الشعب الكردية، وعمليات «بركان الفرات» بالتعاون مع التحالف الدولي في إلحاق أكبر قدر ممكن من ضربات موجعة في عقر دار تنظيم داعش، في الوقت الذي يسعى الأخير عبر توظيف التكتيكات العسكرية المباغتة على طول مناطق التماس في سبيل توقيف التقهقر الدراماتيكي ضمن المناطق الحيوية الممتدة بين محافظة الرقة والحسكة وصولاً إلى مشارف الحدود التركية في محافظة حلب.

وعلى خلفية سقوط منطقة تل أبيض الاستراتيجية الواقعة على حدود تركيا خلال الأسابيع الماضية، نجحت القوات الكردية بمساعدة الغارات الجوية الأميركية في السيطرة على امتداد ما يقرب من 60 ميلاً من الأراضي الواقعة تحت سيطرة تنظيم داعش بين قطاعي الجزيرة وعين العرب «كوباني»، وأقام منطقة تحت سيطرته يبلغ طولها 250 ميلاً، وتخشى أنقرة الآن أن تقرّر وحدات حماية الشعب وبركان الفرات الربط بين القطاعات الثلاثة من خلال التحرّك أكثر نحو الغرب والاستيلاء على أراض بين أعزاز وجرابلس.

عثرات عسكرية

هذا الانتصار المدوي لصالح وحدات حماية الشعب الكردية اصطدم على ما يبدو إلى هذه اللحظة، بعثرات عسكرية عادة ترافق مرحلة ما بعد الانتصار التي تستدعي إعادة انتشار القوات الميدانية مع ضرورة تأمين الخطوط الأمامية بهدف تمكين التموضع العسكرية وفق التكتيكات العسكرية المتبعة، ما يعني في الوقت عينه، توفير المدة الزمنية المتاحة أو ما يسمى «أخذ متنفس من الراحة» بعيداً عن مواجهات مباشرة في الساحات المتحررة من قبضة «داعش» حديثاً، ومن ثم تحصين الخطوط الجغرافية الشاسعة بالفرق العسكرية والأمنية والإدارية، وهو أمر يسعى جاهداً «داعش» عدم إتاحته أمام القوات الكردية، وذلك عبر شن سلسلة عمليات يومية متكررة بالسيارات المفخخة والانتحاريين تارة، أو زج بمجموعات صغيرة داخل معاقل محررة في بلدة عين عيسى مؤخراً، وبعض القرى والنواحي الواقعة على طريق تل أبيض- رأس العين، إضافة إلى العمليات العسكرية الأخيرة في مدينة الحسكة، والمجزرة المروعة المرتكبة في مدينة كوباني التي راح ضحيتها حوالي 300 شخص غالبيتهم من المدنيين حسب الوثائق الحقوقية الكردية.

إرباك الأكراد

ويبدو أن انشغال التحالف الدولي والقوات الكردية في مواجهة هذه التدخلات المزعجة التي لا تتعدى نطاقها إلا عرقلة الإسراع في سقوط معاقل مهمة كما تقول المصادر العسكرية الكردية، في سبيل إرباك الحسابات الكردية والفصائل الثورية على أبواب مدينة صرين المحاصرة من قبلهم في شرقي حلب، وفرض التباطؤ على حملة الهجوم المتوقع صوب الرقة، ويضاف إليه ضرب الاستقرار العسكري والأمني في المنطقة الواقعة تحت نفوذ وحدات حماية الشعب والتشكيلات العربية المرافقة.

وفي المحصلة قد تؤثر هذه العثرات المزروعة تأخير انطلاق حملة تحرير جرابلس التي تتوجس منها القيادة التركية في أن تكون تحت سيطرة القوات الكردية الهادفة إلى الربط المناطق الكردية الثلاث في شمال سوريا تبعاً لشريط جغرافي محكم.

تسريبات أمنية

وفي هذه النقطة بالذات، وبناء على تسريبات أمنية، قد تستغل أنقرة هذه الفجوة الزمنية بدفع التشكيلات العسكرية الموالية لها في تركيا، بتعبئة الفراغ المنتظر مقابل تأمين الغطاء العسكري وترتيب نقاط مشتركة مع التحالف الدولي لتحقيق هذا السيناريو لعرقلة المساعي الكردية الصرفة من جهة، والحفاظ على حلفائها في المنطقة الشمالية من جهة ثانية، ولعل التوصل الأميركي – التركي إلى فتح قاعدة انغرليك العسكرية أمام طيران التحالف لضرب «داعش» مؤخراً، يدخل ضمن هذا المنحى.

لكن لا يمكن الجزم بالموافقة الأميركية النهائية حيال هذا السيناريو ولا سيما في ظل موجة التصريحات الأميركية التي تتشكك بقدرات التشكيلات العسكرية الموالية لتركيا في نسف وجود التنظيمات المتطرفة، مرجحاً عوضاً عنها القوات الكردية التي تتلقي يومياً إشادات من قبل الدوائر العسكرية والمخابراتية العاملة في سلك إدارة الرئيس الأميركي أوباما.

حلول عقلانية

إذا كانت ثمة من حلول عقلانية للجمع بين أهداف الخصوم المتناحرة التي تتفق في نهاية المطاف على محاربة «داعش»، فإن التقديرات تشير من حيث المبدأ بأن واشنطن لن تعارض شن تركيا عملية أصغر حجماً - تكون محدودة بالقصف في عمق الأراضي السورية لإيجاد ملاذ آمن للجماعات الموالية لها - لا سيما أنها قد تقطع خطوط إمدادات تنظيم «داعش»، وتُخرج التنظيم من بعض المناطق. لكن هذا يتطلب من تركيا أيضاً تحديد طريقة العمل مع وحدات حماية الشعب الكردية بدلاً من أن ينتهي بها الأمر بالنزاع معه، فإن ذلك قد يشكّل إضافةً ملائمة على الدعم الأميركي الضمني، بما في ذلك إمكانية الوصول إلى بعض الأصول العسكرية الأميركية.

تهديد

هدد نائب رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية بالبرلمان الإيراني منصور حقيقت بور، في حال أي تدخل عسكري تركي في سوريا، بأنّ تتحوّل سوريا إلى مقبرة للجنود الأتراك.

وأضاف حقيقت بور إن دخول الجيش التركي في حرب ضد سوريا مباشرة وإقامة منطقة عازلة محتملة هنا سيكونان بمثابة خطأ كبير. الوكالات