يتجدد في بريطانيا جدل حول الدوافع التي أدت إلى قرارات وقوانين لتشديد الرقابة على المتشددين وشن عمليات تصفية في سوريا والعراق، فالرعب والهلع يخيمان على وجوه أبناء عاصمة الضباب ولسان حالهم يقول إذا ما ركبنا حافلة أو قطار متجهين للعمل يجب أن نخاف ونحذر، وإذ سلمنا من تلك علينا مواجهة مشهد علم داعش يرفع أمام البرلمان البريطاني والأمن يطلق سراحه مبرراً ذلك بأنها حرية في إطار القانون وهم رجال الأمن نفسهم الذين يتصدرون الصحف يومياً محذرين من التشدد ويذكروننا باليوم الأسود حين ذبح أصحاب رايات داعش ذلك الجندي البريطاني البريء في وسط لندن.

في ظل تزايد الخطر إزاء التهديد المباشر لبريطانيا أعطى رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون الضوء الأخضر للقوات الخاصة البريطانية (ساس) لشن عمليات تصفية بحق قادة تنظيم داعش الإرهابي، وترجم الخبراء القرار بأنه تفويض مطلق لقتل أو اعتقال زعماء التنظيم الإرهابي بما في ذلك العقل المدبر وراء المجزرة التي وقعت في منتجع سوسة في تونس والتي راح ضحيتها العديد من السائحين البريطانيين.

ودخلت بريطانيا منذ أسبوع مرحلة جديدة من محاربة التطرف الفكري وذلك عبر إدخال واجب قانوني ملزم حيز النفاذ يطلب من المدارس والسجون والمجالس المحلية اتخاذ خطوات لمواجهة التطرف، وشمل القانون معاقبة من يؤيد الأفكار المتطرفة أو يساعد في نموها، وبموجب القوانين الجديدة ستعمد المدارس لمراقبة سلوك التلاميذ ومحتوى ما يتعرضون له عبر الإنترنت.

هذه التصريحات والقوانين الجديدة وضعت جدلاً بين المراقبين من المؤيدين والرافضين، فيرى شيخ احسان حنيف، أحد كبار شيوخ الدين في بريطانيا، أن جذور التشدد في أوروبا لا ترتبط بالمسلمين فقط بل هناك اليمين المتطرف والنازية خلال منتصف القرن الماضي، موكداً أن هناك أغلبية ساحقة من المسلمين الذين يعانون أزمة اقتصادية والتهميش المتعمد ما جعلهم فريسة لبعض الدعاة المتطرفين الذين يضعون كل المشاكل في إطار الدين ويعكفون على تلقين ضحاياهم دروساً في التطرف.

ويضيف الشيخ حنيف أن بعض أبناء الجاليات المهاجرة، والمسلمة على وجه التحديد، في بريطانيا وبعد مصاحبتها لدعاة التطرف من باب التعرف إلى الدين والفقه الإسلامي تتجه إلى العزلة عن المجتمع ثم الإيغال في التشدد.

ويقول مساعد مفوض شرطة بريطانيا مارك رولي حول الإجراءات الوقائية الجديدة، إنهم يكافحون عبر الإنترنت ما وصفها بعمليات غسيل الدماغ.

وعرج مارك قائلاً: «تتم إزالة ألف مادة أسبوعياً من الإنترنت لها علاقة بقطع الرؤوس والتعذيب والانتحار، 80 في المئة منها مرتبطة بسوريا والعراق».

مشكلة اندماج

ويرى المراقبون أن القوانين الجديدة لا تستطيع وحدها أن تمنع التشدد لكون المشكلة اجتماعية بالدرجة الأولى، وأن هناك مشكلة أساسية ترتبط باندماج المسلمين في المجتمع البريطاني، ويتطلب من شيوخ الدين بالتعاون مع العوائل والمدارس بذل جهد لتوحيد المجتمع ضد الإرهاب ليعيشوا بسلام.

أما مسؤولة ملف الإرهاب في المركز البريطاني للدراسات وأبحاث شرق الأوسط اسكارلت هاريسون فترى أنّ قضية الاندماج تطرح عندما يعجز المحللون عن تفسير الظاهرة، مشيرة إلى أن هناك أكثر من مليوني مسلم في المملكة المتحدة من بينهم آلاف الأطباء ومئات رجال الشرطة ورجال ونساء يمارسون مختلف الوظائف بكل حرية مكملين النسيج المتلون للمجتمع البريطاني.

وفي حوار مع «البيان» رفضت هاريسون إلقاء اللوم على قضية الاندماج، قائلة إن «المشكلة تكمن في مرتكبي الأفعال المشينة والهجمات أنفسهم وليس المجتمعات التي خرجوا منها، ويتعين علينا أن ندرك أن الجيلين الثالث والرابع من المهاجرين عرضة لإغراءات المنظمات الإرهابية وعلينا ألا نتجاهل أن طريقة داعش بالقتل قد تكون بربرية لكنها تستعين بأحدث التقنيات للتجنيد والدعاية والاتصالات».

ويرى الكثير من البريطانيين أن قصور إسهامات الكفاءات المسلمة البريطانية العلمية والفكرية والثقافية في ملء الساحة العريضة وانسحابها من الميدان لأسباب عدة، منها عدم دعم الحكومة لهم، جعلت من موجات التشدد التي تختلف قوتها من مدينة لأخرى أن تنتشر وتتخذ مظاهر مختلفة.

ويقول المسؤول في المركز الثقافي الإسلامي في لندن علي أحمد، إن ضعف مستوى بعض الدعاة نتيجة ضعف الحصيلة الثقافية والعلمية التي تم تزويدهم بها يؤثر على ضعف الحجة والمعرفة عند الشاب المسلم البريطاني.

ويضيف أحمد أن بعض الدعاة لا تسمع منهم إلا حديثاً مكرراً بعيداً عن اهتمامات الناس وهمومهم ولكن هذا لا ينفي أن هناك أمراضاً نفسية هي إفرازات المجتمع الشرقي المقيم في لندن والتي أتى بمعظمها من مجتمعات مقهورة سياسياً وثقافياً واجتماعياً تحمل نوعاً من التطرف والهوس الديني وتمثل نوعاً من ردود الفعل المتشددة تجاه المتغيرات المعاصرة.

الإخوان المسلمون في لندن

في إطار هذه المخاوف البريطانية، سبق وأقدمت السلطات على اعتقال 218 مشتبهاً به وإدانة 16 شخصاً عقب عودتهم من سوريا، كما تم إرسال 50 شخصاً منهم لمراكز إعادة التأهيل لأنهم يتبنون أفكاراً متطرفة.

ويرجع الكاتب البريطاني المتخصص في شأن التطرف في الشرق الأوسط توني دوهيم في حديث مع «البيان» انتشار التشدد في أوروبا إلى أمرين: الأول، غياب أئمة ومشايخ ومؤسسات إسلامية كفؤة. والثاني، انتشار مؤسسات سياسية المنهج وإرهابية الفعل مثل إخوان المسلمين على الأراضي البريطانية والسماح لهم بالدعوة لأفكارهم المتطرفة.

كما أكد دوهيم أن الشعب البريطاني يخاف من غاية الإخوان فلدى هؤلاء فرع في مصر يقتل ويهاجم الشعب، وهم لا يختلفون كثيراً مع داعش في استغلال الإرهاب من أجل بسط السيطرة على الحكم.

ويقول المحرر السياسي لصحيفة «ذي تايمز» فرانسيس إليوت أن جماعة الإخوان ذات الصلات بالجماعات المتصارعة على السلطة في ليبيا سيُطلب منها أن تكشف عن شبكتها «الغامضة» من الاتباع في بريطانيا التي تشمل المساجد ووسائل الإعلام إلى المؤسسات الخيرية وجماعات تنظيم الحملات.

رقابة

يعتقد المراقبون أن القرارات البريطانية الرقابية على المتشددين وشن عمليات تصفية خارج حدودها قد تشمل جماعة الإخوان.

والإجراءات المتخذة ضد الجماعة بدأت منذ العام الماضي وهذا ما يفسر إغلاق بعض حسابات الجماعة في بنك اتش.اس.بي.سي.