يرى مراقبون أن «انفراط عقد المنظومة المخابراتية بعد الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي، كان نتيجة حتمية لحل جهاز أمن الدولة وما يسمى «منظومة الأمن السياسي»، والاستغناء عن عشرات الضباط المدربين في عواصم الغرب والمتخصصين في مكافحة الإرهاب وشبكات التطرف الديني في تونس والمنطقة».
ولفت المراقبون إلى أن «تونس كانت تمتلك جهازاً أمنياً مشهوداً له بالكفاءة قبل أن يطاح به في ظل ما سمي بالحرب على الدولة العميقة»، مشيرين إلى أنه «تمت الإطاحة بالمنظومة المخابراتية التي كانت تعمل على عدة مستويات تنطلق من المحلي إلى المركزي، والتي كان يمثّلها المسؤولون المحليون وخاصة العمد، وأنصار الحزب الحاكم سابقاً الذي كان يمتلك مئات المكاتب في كامل أرجاء البلاد، إلى جانب لجان الأحياء والبلديات والجمعيات والمنظمات المرتبطة بأجهزة الدولة».
ويرى المحلل السياسي منذر ثابت أن «الإسلاميين وبعض القوى اليسارية اندفعوا بعد الإطاحة بالنظام نحو الإطاحة بالدولة من خلال إجراءات عدة منها تفكيك الأجهزة الأمنية بدعوى أنها كانت متورطة في قمع المعارضة وخاصة الدينية منها واختراق وزارة الداخلية، وملاحقة الأمنيين أو إعفائهم من وظائفهم، وحل الحزب الحاكم سابقاً بما أشعر أنصاره بأنه لم يعد مرغوباً فيهم، واستبعاد المسؤولين المحليين وتعويضهم بمسؤولين جدد أغلبهم كانوا في السجون أو في المهجر أو يفتقدون للكفاءة».
وأضاف ثابت أن «محاولة الإسلاميين وضع يدهم على البلاد، جعل النسبة الكبرى من التونسيين تختار التراجع إلى الخلف وتمارس نوعاً من اللامبالاة، لاسيما أن انتفاضة 14 يناير 2011 انطلقت بشعارات العمل والتنمية قبل أن تتحول إلى ثورة ليس فقط ضد نظام بن علي وإنما ضد الدولة الوطنية، واتهام كل من له صلة سابقة بها بالفساد والديكتاتورية، وتسبب هذا الوضع في حالة انفلات عام، حيث لا المسؤولون الجدد أفلحوا ولا القدامى تدخلوا لإنقاذهم».
ويعتقد أغلب المهتمين بالشأن التونسي أنّ «الطبقة السياسية الجديدة فشلت في إقناع التونسيين بالتوحد والوقوف صفاً واحد للدفاع عن الدولة ومؤسساتها، خصوصاً أن تونس دخلت لأول مرة في تاريخها دوامة الصراع الأيديولوجي بعد اتساع نفوذ قوى الإسلام السياسي التي قد تتخالف أحياناً ولكنها تتعاطف في ما بينها عندما تكون في مواجهة اليساريين والعلمانيين والبورقيبيين والتجمعيين والحداثيين. وبعد أن كان أنصار النظام قبل يناير 2011 يتطوعون لتبليغه الأخبار مجاناً عن تحركات المتطرّفين، تجد الدولة حالياً نفسها أمام واقع جديد وهو اتساع دائرة التطرف من جهة وتجاهل جزء مهم من التونسيين للظاهرة من جهة أخرى.
