لم يكن أمام الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي إلا أن يرفع الفيتو في وجه أعضاء مجلس الأمن القومي الأحد الماضي، عندما اجتمعوا على شبه اتفاق بضرورة إعلان حالة الطوارئ في البلاد في أعقاب حادث سوسة الإرهابي. فلرئيس الدولة، وفق الدستور التونسي و«في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويعلن عن التدابير في بيان إلى الشعب»
ويرى المراقبون أن «فيتو» السبسي فرضته معطيات داخلية وخارجية، خصوصاً مع تعبير بعض الأطراف السياسية والحقوقية عن مخاوفها من أن تتحول الحرب على الإرهاب إلى تضييق على الحريات..
كما أن تونس تعرف حضوراً قوياً لمنظمات المجتمع المدني والنقابات التي تعتبر شريكا«خفياً» في الحكم، إضافة إلى أنها تعيش في ظل تجاذبات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية وإعلامية تمثّل ضغطا حقيقيا على السلطات التنفيذية والتشريعية وحتى القضائية، يضاف إلى ذلك الموقف الخارجي وخاصة من قبل بعض عواصم الغرب، التي تعمل على أن تصنع من تونس نموذجاً لنجاح افتراضي لما سمي بالربيع العربي، وترى في الجماعات المتشددة والإرهاب وقوى الإسلام السياسي جزءاً من التمظهرات العامة للمشروع، وفق ما قاله لـ «البيان» المحلل السياسي جمعي القاسمي.
ولا يخفي الناشطون في الساحة السياسية التونسية أن هناك اختلافات في الرؤى والمواقف حول التطرف والإرهاب والدور الأمني وسلطات الحكومة، وهو ما حال في العام 2013 دون مناقشة قانون مكافحة الإرهاب والمصادقة عليه، وكذلك دون الاتفاق على مشروع قانون حماية القوات الحاملة للسلاح..
حيث تعمل منظمات وجمعيات المجتمع المدني وبعض القوى السياسية على الضغط، من أجل عدم تمرير أي قانون يمكن أن يضبط العلاقات بين أجهزة الدولة والشارع بشكل قد يؤثر على مستوى العلاقة بينهما لفائدة أحد الطرفين، غير أن رئيس البرلمان محمد الناصر أكد بعد الهجوم الإرهابي على المنتجع السياسي في مدينة سوسة الساحلية أن المصادقة على قانون مكافحة الإرهاب ستتم قبل يوم 25 الجاري حتى وإن كلف ذلك نواب الشعب العمل ليل نهار..
بينما لا يخفي المحللون السياسيون خشيتهم من إمكانية تعطيل القانون مرة أخرى إذا لم يتفق الحزبان الأكبر في المجلس وهما: نداء تونس والنهضة على تحديد مفهوم الإرهاب، وكذلك على تحديد أساليب التعامل الأمني والقضائي مع ظاهرة التشدد الديني.
مواقف متناقضة
في هذا الاتجاه، أكد رئيس الحكومة السابق والقيادي المؤسس لحركة النهضة حمادي الجبالي أن الحكومة بصدد اتخاذ قرارات تضيق على الحريات العامة وفق تعبيره، منها إغلاق المساجد الخارجة عن القانون وملاحقة الجمعيات والتهديد بسحب التراخيص القانونية لبعض الأحزاب، مضيفاً أن ذلك يهدد تونس بالعودة إلى مربع الاستبداد ومحاصرة ظاهرة التدين، وفق تعبيره.
وبينما عبر الجبالي عن امتعاضه من قرار إغلاق المساجد، واعتبره سيرًا على خطى النظام السابق.. قال رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي إن حركته ستلتزم بقرارات الحكومة.
ورداً على سؤال حول تبعات حادثة سوسة على الحريات العامة والفردية، قال الغنوشى إن «هناك من يريد استغلال الأحداث لتقليص حجم الحريات في البلاد ومصادرة الثورة ونحن لا نرى تناقضاً بين الحرية والأمن ولا ينبغي أن نقبل بمعادلة تقايض بين الاثنين لأننا سنستجيب بذلك لشروط الإرهاب»، داعياً إلى تطبيق القانون على المتدينين أو غيرهم.
فزاعة الديكتاتورية
وبحسب المحلل السياسي منذر ثابت فإن الشارع التونسي منقسم ذاته بين أغلبية تبحث عن الأمن والاستقرار وبين قوى سياسية وحقوقية ترى أن استعادة الأجهزة الأمنية لقوتها سيمثل تهديداً لوجودها..
في حين تشتكي النقابات الأمنية من وجود حالة انفلات عام تحول دون القضاء على التهديدات الإرهابية وخاصة في مجالات تمويل النشاط الجمعياتي والإعلام والإنترنت وظهور قوى سياسية تحت غطاء ديني أحياناً في رداء إخواني وأحياناً تحت غطاء سلفي بات بعضها يرفع رايات «الخلافة» تحت أنظار الأمن.
وقال ثابت إن تلك الأطراف باتت تعتمد على فزاعة عودة الديكتاتورية وتهديد الحريات في عرقلتها لأجهزة الدولة وفي الحيلولة دون إنجاز القوانين المترجمة للدستور وفي التصدي لمشروع المصالحة الوطنية الشاملة، حتى أن موقع فيسبوك للتواصل الاجتماعي بات جزءاً فاعلاً من منظومة الحكم في تونس، وهو ما يعني ترهل الدولة وضعف الحكومة التي تجد نفسها بين تغول الإرهاب من جهة، وتغول بعض القوى الراديكالية من جهة أخرى.
