تتكشف يوماً بعد يوم صحة التقديرات التي ذهبت بضرورة ضم جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي منذ تسعينات القرن الماضي. فسلوك روسيا اليوم تجاه جيرانها وعلى الساحة الدولية يشي بأن دولاً مثل بولندا والتشيك ورومانيا وبلغاريا، التي انضوت إبان الحرب الباردة تحت لواء المعسكر الاشتراكي، كانت لتواجه مصير جورجيا وأوكرانيا بين 2008 و2014.
فالدولتان إياهما تعرضتا إلى احتلالين روسيين هدفا إلى ضرب مفهوم الدولة المستقلة والمؤسساتية فيهما واقتطاع أجزاء منهما بحجة وجودة أقلية روسية تعاني التهميش. ولأن بولندا، حكومة وشعباً، لا ترتبط تاريخياً بعلاقات ودية مع الروس، ازدادت في الآونة الأخيرة وتيرة النزعة التوسعية التي تحكم الكرملين وعينه على استعادة وهم النفوذ على الدول التي يعتبر أنها يجب أن تدور في فلكه.
المشكلة مع السياسة الروسية أنها تمارس نفس الاستراتيجية التي لطالما انتقدتها: الكيل بمكيالين، ومن ليس معي فهو ضدي. فتأييد موسكو للأنظمة التي تحكم سوريا وكوريا الشمالية وكوبا وفنزويلا، التي تزدري كل مفاهيم الحريات والحقوق الأساسية، لا يمكن فهمه في غير هذا السياق.
ورفض الكرملين الحركات الاحتجاجية التي أطاحت بالنظام العميل له في أوكرانيا ومن ثم تأييده الانفصاليين ودعمه إياهم بالسلاح والمال لشطر شرق أوكرانيا عن بقية البلاد، في مقابل الوقوف ضد المعارضة السورية المسلحة التي لا تسعى إلى الانفصال، لا يمكن تفسيره إلا نفاقاً سياسياً مفضوحاً. على المجتمع الدولي ألا يكرر نفس الخطأ الذي ارتكبه خلال العقدين الماضيين.
فبدلاً من ضم أوكرانيا وجورجيا إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي وتكوين حائط صد لطموحات موسكو، ساوم الغرب على المبادئ فدفع الثمن لاحقاً، وحسبُه أنه انتزع تسوياتٍ مُرضية في البلقان.
والنوايا غير الحميدة التي يخفيها الروس تجاه دول البلطيق وبولندا لا بد وأن تستدعي وقفةً جادة على المستويات العسكرية والسياسية والمالية من الغرب، والأوروبيين تحديداً، لكيلا تعود القارة إلى أجواء الحرب الباردة. فتحجيم الكرملين هو الحل.. لا التفاوض معه. والمواقف الصارمة هي الأنجع.. لا الحلول الوسط العائمة.
اسكندنافيا وطيش
وإن كانت موسكو غير معنية بالتصعيد وتتحدث عن محاولتها الوقوف في وجه السياسات الغربية، فلم التحرش بالدول الاسكندنافية مثلاً عبر خرق مجالات دولها الجوية؟ الثابت أن الكرملين يستغل الغياب الأميركي لاستعراض عضلاته.
ومن يلام هنا ليس الروس بقدر ما يجب أن تطرح تساؤلات إلى مؤسسات الغرب كالاتحاد الأوروبي وحلف الناتو والنخبة السياسية الأميركية التي يفترض بها جميعاً أن تملك خطة تعامل واضحة مع الميل الروسي نحو الاستفزاز والتمدد.
وقد يسوء الوضع أكثر مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية التي ستنظم بعد 17 شهراً تقريباً، خاصةً أن الإدارة الأميركية دخلت مرحلة «البطة العرجاء».. وهي عرجاء أساساً!! ويخشى هنا أن تعمد موسكو إلى التصرف بطيش والدخول في مغامرة قد تتجاوز حدود جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، مستغلةً جيب كاليننيغراد الذي بدوره بحاجة إلى استراتيجية منفصلة للتعامل معه.
