كثر الحديث مؤخراً من أطراف عدة عن تهدئة طويلة الأمد يجري الإعداد لها خلف الكواليس بين حركة حماس التي تحكم قطاع غزة وإسرائيل، وهي خطوة إذا ما حدثت بالفعل قد يكون لها أثر سلبي بالغ في القضية الفلسطينية وفي المشروع الوطني الفلسطيني، وذهب البعض إلى أنها قد تؤدي إلى دفنه والإجهاز عليه نهائياً، كما اُعتبر أنها ستكون تكراراً لتجربة فاشلة سبقتها إليها حركة فتح.
اتفاق التهدئة مع إسرائيل مقابل فتح المعابر وإقامة ميناء عائم ما زال محل نفي من قبل «حماس»، لكن الحركة في المقابل تؤكد تلقيها أفكاراً مكتوبة بشأن تهدئة طويلة. ويبدو واضحاً أن «حماس» بحاجة إلى هذا الاتفاق من أجل إعمار القطاع، وزيادة شرعيتها في الشارع وفي مواجهة صراعها مع فتح.
وكانت سلسلة الزيارات الأخيرة لمسؤولين دوليين وأوروبيين إلى قطاع غزة مدفوعة من الاحتلال للبحث عن التهدئة وأمن إسرائيل من جهة، ورفع الحصار وإطلاق عجلة الإعمار من جهة ثانية. حسب مصدر رفيع في الحركة التي تسيطر على قطاع غزة بالقوة منذ أكثر من سبع سنوات، والذي لم يستبعد أيضاً أن يكون هدف هذه التحركات الجارية تدجين «حماس» واحتوائها وإدخالها في دهاليز السياسة.
ويدعم أنباء تفاوض اسرائيل و«حماس» ما جاء في تقرير نشرته الصحافة البريطانية خلال الأيام الماضية، بشأن لقاءات في مايو الماضي جمعت بين رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خالد مشعل، وبين مبعوث الرباعية الدولية لعملية السلام، توني بلير، كان فحواها، العمل على الوصول إلى اتفاق تهدئة طويل الأمد في قطاع غزة، مقابل رفع الحصار.
مؤامرة إسرائيلية
منظمة التحرير الفلسطينية لا تعارض أي خطوات من شأنها رفع الحصار عن قطاع غزة، ولكنها تشدد على رفض ما من شأنه التأسيس لكيانات سياسية. فعضو اللجنة المركزية لحركة فتح ومفوض العلاقات الوطنية عزام الأحمد قال إن المفاوضات بين «حماس» وإسرائيل، تنفيذ لمؤامرة إسرائيلية لقتل المشروع الوطني، وتتم وفق رؤيتها بتكريس عزل غزة عن الضفة والقدس والاستفراد بهما.
أرضية هذه الفكرة بدأت بتنفيذ خطة شارون بالانسحاب من القطاع عام 2005، ومن ثم وقوع حماس في هذا الشَّرك (بعلم أو من دون علم) من خلال الانقلاب الذي نفذته عام 2007 والمستمر حتى اللحظة. فهذه المفاوضات مؤامرة، وهدفها الالتفاف على الشرعية الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية (الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني)، حسب الأحمد.
تكريس الفصل
وذهب الناطق باسم حركة فتح أحمد عساف إلى أبعد من ذلك بقوله إن هدف «حماس» من هذه المفاوضات هو تكريس حكمها لغزة وحماية رؤوس قياداتها وتنفيذ تعليمات الممولين الإقليميين لها على حساب القضية الفلسطينية والوحدة الوطنية ومعاناة أهالي غزة.
كما أن حكومة اليمين المتطرف الحاكمة في إسرائيل تهدف من مفاوضاتها السرية الجارية مع «حماس» لتكريس فصل غزة عن القدس والضفة، وقتل إمكانية قيام دولة فلسطينية على حدود العام 67 والحصول على الأمن الدائم. وهو ما شدد عليه عساف أيضاً.
مبدأ التفاوض مع إسرائيل ليس من المحرمات في حركة «حماس»، كما أنها لم تستبعد إمكانية التفاوض المباشر والذي حرمته على غريمتها حركة فتح في السابق..
وهي القنبلة التي فجرها نائب رئيس حركة حماس، موسى أبو مرزوق، في تصريحات له في سبتمبر من العام الماضي وتناقلتها وسائل إعلام كبرى، وأثار أبو مرزوق في هذه التصريحات التي أعلن فيها استعداد حركته للتفاوض المباشر مع إسرائيل عاصفة داخل حركته، وفي رام الله وفي تل أبيب على السواء، مُبرراً آنذاك ارتكازه في الدعوة إلى الحوار مع سلطات الاحتلال إلى أن هذا مطلب شعبي لأهالي غزة بعينها، فيما لم يتحدث عن الملف الفلسطيني بمجمله.
خطأ فادح
ومن هذا المنطلق يرى القيادي في حركة فتح عبدالله رمضان (أبو أيمن) في صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» أن حركة «حماس» ترتكب خطأ فادحاً لأنها تعيد تجربة «فتح» وتسير على خطاها إلى مفاوضات وصلت إلى طريق مسدود.
وقال: «إنني مع المقاومة بكافة أشكالها، ولست ضد المفاوضات بكافة أشكالها؛ مباشرهة وغير مباشرة، في ظل مرجعية وطنية موحدة، ولكنني أرى أن حماس تعيد تجربة فتح وتسير على خطاها إلى مفاوضات وصلت إلى طريق مسدود.
وأكد أبو أيمن أن إنهاء الانقسام وتعزيز الوحدة الوطنية هو بوابة الصمود لتحقيق نتائج تنتصر فيها المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني المكافح.
إلا أن الناشط السياسي الأديب الفلسطيني شفيق التلولي اختلف مع أبو أيمن، معتبراً أن الوحدة الوطنية، أصبحت أمنية من المحال تحقيقها، واعتبر الحل من أجل إنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني هو استنهاض الكل الوطني الفلسطيني وتثويره لوضع حد لكل ما آلت إليه أوضاعنا الفلسطينية.
وقال: «أظن بأن شعار إنهاء الانقسام وإرساء الوحدة الوطنية أصبح أمنية من المحال تحقيقها للأسباب التي نعرفها جميعاً، وعليه فإن المجدي أكثر هو التفكير ملياً في إعادة صياغة آليات أخرى تهدف إلى إنقاذ مشروعنا الوطني من خلال استنهاض الكل الوطني الفلسطيني وتثويره لوضع حد لكل ما آلت إليه أوضاعنا الفلسطينية».
