لا يزال الغموض يكتنف مسار تشكيل الحكومة التركية الجديدة، بعد فشل حزب العدالة والتنمية، الذي حكم تركيا منفرداً 13 عاماً، في الحصول على الأغلبية البرلمانية نتيجة تراجع شعبيته بعد سلسلة أزمات داخلية وخارجية عصفت به، ما حال دون تحقيق تطلعاته لتشكيل حكومة أغلبية جديدة، وسط ترجيحات بإجراء انتخابات مبكرة.
وبعد انطلاق المرحلة الرسمية لتشكيل الحكومة الجديدة، يبقى أمام الأحزاب الفائزة مهلة 45 يوماً لإعلان حكومة ائتلافية، حيث يمنح القانون التركي الرئيس رجب طيب أردوغان حق الدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكرة حال فشل مشاورات تشكيل الحكومة خلال تلك المدة.
انتخابات مبكرة
ومع أن الانتخابات التشريعية فتحت الباب على مصراعيه أمام احتمالات تشكيل الحكومة المقبلة، والتي من بينها الدعوة إلى انتخابات مبكرة، إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه: هل سينجح حزب أردوغان في كسب أصوات ناخبين جدد لرفع رصيده بما يؤمّن له تشكيل حكومة أغلبية؟
وفيما رجح مراقبون تشكيل حكومة ائتلافية بين حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية في اللحظات الأخيرة من المشاورات، إلا أن حزب الحركة القومية حسم أمره برفض الدخول في تحالف مع العدالة والتنمية، ما سيدعم خيار الاحتكام إلى انتخابات مبكرة.
وما يدعم هذا الخيار أيضاً، تأكيد خبراء في معهد كارنيغي للأبحاث أن تركيا لم تعهد استقراراً طويل الأمد في ظل حكومات ائتلافية، فظهور تحالف سياسي كإفراز للنتائج الحالية قد يكون مؤشراً على انتخابات أخرى.
الاقتصاد والحريات
ورغم أن حزب العدالة والتنمية حقق فوزاً كاسحاً في الانتخابات التشريعية الثلاثة السابقة التي شهدتها تركيا في أعوام 2002 و2007 و2011، استناداً إلى إنجازات اقتصادية ملفتة، غير أن الاقتصاد التركي بات يعاني من موجة تباطؤ تتحمل الحكومة مسؤوليتها، لذا وجدت المعارضة وعلى رأسها حزب الشعب الجمهوري مدخلاً عزز شعبيتها وخطابها الانتخابي القائم على العامل الاقتصادي.
ويعدّ انخفاض نسبة الأصوات المؤيدة للعدالة والتنمية مقارنة بالعام 2011، ومقارنة أيضاً بعدد الناخبين الذي ارتفع نحو أربعة ملايين مقارنة بالانتخابات الأخيرة، مؤشراً على أن الحزب لم يفقد فقط تأييد الناخبين الجدد، بل فقد تأييد نسبة من مؤيديه، ما يعكس فقدان الثقة بقيادة الحزب.
قوة الأكراد
سبب آخر يقف وراء خسارة أردوغان أصوات الناخبين، وهو التفاف الأكراد وبعض الأتراك حول زعيم حزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين ديمرتاش، الذي حقق اختراقاً في الانتخابات الأخيرة، حيث بات يمثل هذا الحزب الفتي الأكراد تحت قبة البرلمان التركي للمرة الأولى في تاريخ تركيا، ما يضع تساؤلات أخرى حول مصير ملف الملف الكردي.
الأزمة السورية
كذلك، انعكس تورط أنقرة خلال السنوات الأخيرة في كثير من الملفات الساخنة في المنطقة، وفي مقدمتها الأزمة السورية، على شعبية الحزب الحاكم، حيث تراجع الوضع الاقتصادي والاجتماعي نتيجة الانخراط في الملف السوري أو بسبب تدفق اللاجئين السوريين.
منعطف مهم
ونتيجة لتلك العوامل والمتغيرات، فإن تركيا باتت تقف اليوم أمام منعطف مهم، فأردوغان لا يزال يسعى جاهداً إلى الاستحواذ على السلطات، فيما أحبطت نتائج الانتخابات البرلمانية طموحه، لا سيما أنه كان يعول عليها للحصول على ثلاثة أخماس مقاعد البرلمان التركي، أي 330 مقعداً من أصل 550، وهو العدد اللازم لفرض استفتاء بشكل أحادي على تغيير دستور البلاد لتحويل نظام الحكم إلى رئاسي بدلاً من برلماني.
انتخاب رئيس البرلمان
يتأهّب برلمان تركيا الجديد لانتخاب رئيسه، في أعقاب أداء أعضائه اليمين الدستورية في أولى الجلسات، بعد الانتخابات التشريعية التي شهدتها البلاد، فيما رشّح حزب الشعب الجمهوري زعيمه السابق دنيز بايكال لمنصب رئيس البرلمان.
ومن المقرّر استمرار تقديم أوراق الترشيح لرئاسة البرلمان حتى الثانية عشرة من ليل السبت المقبل، إذ بوسع الأحزاب الأربعة التي تمكنت من دخول البرلمان تقديم مرشحيها، فيما ستجرى الجولتان الأولى والثانية لانتخاب رئيس البرلمان في 30 يونيو الجاري، ويتم الانتخاب عبر الاقتراع السري، ويلزم حصول المرشّح في تلك الجولتين على أغلبية الثلثين على الأقل 367 من أصل 550 صوتاً للفوز برئاسة البرلمان.