لا تقتصر أهمية تعز في كونها عاصمة أكبر أقاليم اليمن الجديد سكاناً ولا بأنها محافظة معظم رجال المال، لكنها تكمن في أنها تمثل محور الحركة السياسية اليمنية منذ خمسينيات القرن الماضي، كما يميزها موقعها المتوسط بين الشمال والجنوب عند التقاء البحر الأحمر مع خليج عدن.
واتخذ الإمام أحمد، وهو آخر الأئمة الزيدين، تعز عاصمة لنظام حكمه بعد ثورة العام 1948 على والده في صنعاء. ومن هذه المدينة، تكونت شرارة الثورة ضد نظام حكم الائمة العام 1962 بقيادة الملازم على عبد المغني، فيما اتخذها الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر مركزا لقيادة القوات العربية، وأصبحت منطلقا للثورة في جنوب اليمن على الاستعمار البريطاني حتى رحيله.
تعليم وصناعة
وشهدت المحافظة، التي اتخذتها الحركة الوطنية في اليمن قاعدة لانشطتها منذ الخمسينات، ولادة التنظيمات السياسية بكافة توجهاتها. وبسبب كثرة سكانها وارتفاع معدلات التعليم، أمدت معظم محافظات اليمن، بالشراكة مع محافظة إب المجاورة، بالكادر الوظيفي والتعليمي والمهني والعمالة الماهرة في مختلف مجالات الحياة. ولأن تعز مدينة صناعية، إذ يوجد بها معظم المصانع ومنها أيضا غالبية رجال المال والأعمال، فإن كل ذلك زاد من قدرتها على التأثير في شتى مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فأصبحت هدفا للأطراف التي تتصارع على السلطة، لأن السيطرة عليها يضمن لذلك الطرف الإمساك بالقوة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المحركة للمجتمع.
وحضرت تعز بقوة أثناء الصراع والمواجهة بين شطري اليمن، إذ تبوء عدد من المتحدرين من المحافظة مناصب عليا في الجنوب كان أبرزهم عبد الفتاح إسماعيل الأمين العام للحزب الاشتراكي، الذي كان يحكم اليمن هناك. وكانت حاضرة في الشمال من خلال تولي عدد من سكانها مواقع مهمة في الدولة وفي قيادة الأحزاب السياسية واستمرت كذلك بعد قيام الجمهورية.
ما بعد 2011
ومع انطلاق ثورة 11 فبراير 2011 ضد نظام الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، انطلقت من تعز شرارة الحراك مع خروج الملايين إلى الشوارع طوال 11 شهرا للمطالبة بإسقاط النظام.
وعقب الانقلاب الذي نفذه الحوثيون والرئيس السابق في 21 سبتمبر الماضي وما تبعه من أحداث، كان الرهان على تحييد تعز عن المواجهة. ولهذا حرص الحوثيون وصالح على مخاطبة سكان المحافظة والتأكيد على أنهم لن يقتحموها رغم أنهم وصلوا إلى مشارفها، وكان غاية هذا الخطاب جعل المدينة آخر لقمة يمكن ابتلاعها بعد استكمال السيطرة على بقية المدن.
ولأن الرئيس عبد ربه منصور هادي كان يخطط لاختيارها إلى جانب مدينة عدن عاصمة مؤقته لليمن إلى حين طرد الانقلابيين من صنعاء، فإن هؤلاء سارعوا إلى اقتحامها كما فعلوا في عدن، لكن المقاومة تأهبت لهم وخاضت ولا تزال تخوض منازلات حاصرت من خلالها الحوثيين في معسكرات الجيش التي كانت بيدهم وبسطت سيطرتها على أكثر من 80 في المئة من المدينة.