لا شك أن زيارة المسؤولين الفرنسيين المتتالية إلى الجزائر وآخرها زيارة الرئيس فرانسوا هولاند لم تأت بجديد على صعيد الملفات العالقة، بل مرت على الملحة منها مرور الكرام، وأول هذه الملفات ملف الذاكرة الذي ظل منسياً. فباريس تراهن على النسيان لدفن ماضيها في الجزائر..

فالزيارات تخفي نية باريس تسريع العلاقات الاقتصادية والسياسية لصالحها، وفي نفس الوقت تريد اغتيال الحق التاريخي وتخفيض السرعة في مسألة الحقوق المتعلقة بها، ففرنسا الرسمية ورثت القوة الاستعمارية التي احتلت المنطقة لفترات طويلة، وهي تتصرف اليوم مع هذه الدول وكأنها حديقتها الخلفية، ولا تبالي بمطالب الجزائر بالاعتذار عن جرائمها الاستعمارية...

بل تريد تحقيق مصالحها بتحجيم دور الجزائر، فيما بات من الواضح أن الجزائر بعد سنوات من «العراك التاريخي» مع المستعمر القديم بشأن قضايا الذاكرة لم يقد إلى نتائج تسعى اليوم إلى لعب ورقة البراغماتية وترك عمل الذاكرة إلى المؤرخين.

ملف مؤلم

فبين باريس والجزائر لاتزال الذاكرة هي بيت القصيد المؤلم الذي يمنع أي مصالحة شاملة بين البلدين. خلال سنوات طويلة لم يجرؤ أحد من الطبقة السياسية الفرنسية على فتح ملف الذاكرة والمسؤولية المشتركة علن مختلف العواصف الدامية التي طبعت المواجهة العسكرية بين الشعبيين، ففرنسا لا تبدو مستعدّة لأكثر من نصف الاعتراف، في المدى المنظور على الأقل..

وهي تدرك أن الاعتراف الكامل سيجرّها إلى الاعتذار ثم التعويض، وهي عملية صعبة جدّا على اعتبار ان مصالح فرنسا ووزنها الدولي يجبرانها على عدم تلطيخ صورتها التاريخية.

وإن لم ينخرط هولاند الذي زار الاسبوع الماضي الجزائر للمرة الثانية منذ بداية ولايته، في تصريحات معادية للجالية الجزائرية بفرنسا ولم يجاهر بمواقف تتعارض مع المصالح الجزائرية، مثلما حصل مع الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، إلا أنه لم يقدم جديدا على صعيد تنازل فرنسا عن كبريائها إزاء ماضيها الاستعماري في الجزائر.

والغريب أن في زيارته الأخيرة إلى الجزائر التي استغرقت ثماني ساعات لم يتطرق الرئيس الفرنسي لا من قريب ولا من بعيد إلى قضية الاعتذار، حيث أصر على تجاهل القضايا التاريخية على الأقل أمام الرأي العام، بل حاول في المقابل ترضية الرئيس من جانب آخر بتأكيد أن صحته جيدة ويتميز ببعد نظر سعيا لإزالة الشوائب في العلاقات بين البلدين بطريقة حضارية بعيداً عن ملفات الماضي.

هروب من المواجهة

ساسة باريس هربوا من مواجهة الحقيقة التاريخية، بل إنهم بكل المجازر التي ارتكبها الاستعمار والنازية، حتى قضايا الأرمن لم يترددوا في إثارتها للضغط على أنقرة...

لكنهم يغضون النظر على جرائمهم الاستعمارية فهي تدعو في كل المناسبات الجزائر إلى النظر إلى المستقبل والتحرّر من العقد التاريخية وترك المسألة للمؤرخين، ولكنها في نفس الوقت لا تتردد في تسييس الماضي بتمجيد تلك المرحلة، وتصرّ على العبث بتاريخنا عندما لا تعترف بحقّنا في الأرشيف. فرنسا ترفض الاعتذار لأنها تريد إرضاخ الجزائريين للأمر الواقع مقابل مزايا أخرى.

ففي فرنسا لا يزال لوبي اليمين يحظى بقوة كبيرة ولديه وعاء انتخابي قوي يعتبر نفسه خسر الجزائر ولا بدّ من طمس هذه الخسارة، لكن رد فعل الجزائر المحتشم وعدم دفع باريس إلى التراجع على هذه الخطوة لحفظ الذاكرة، هو الذي شجع الساسة الفرنسيين على طمس الحقيقة في غياب قانون جزائري يجرم الاستعمار.

تنديد

ندد عدد من المثقفين والمجاهدين وأساتذة باحثين بزيارة الرئيس فرنسوا هولاند إلى الجزائر، حيث وجهوا عريضة إلى رئيس الجمهورية عبدالعزيز بوتفليقة ضمّنوها بعض المطالب. وطالب الموقعون بالاعتراف الرسمي والصريح من طرف الجمهورية الفرنسية بارتكابها جرائم ضد الإنسانية وجرائم دولة في حق الشعب الجزائري طيلة 132 سنة‎، إلى جانب التعويض عن الأضرار الناجمة عن التعذيب الفظيع.