تضع السلطة الفلسطينية الشهر المقبل مؤسسات العدالة الدولية أمام امتحان حقيقي من خلال إيداعها ملفاً متكاملاً أمام المدعي العام للمحكمة الجنائية يحتوي على الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل بحق الفلسطينيين خلال الفترة الماضية ويعكف ما لا يقل عن 200 خبير قانوني عربي في أحكام القضايا التي ستطالب بموجبها فلسطين ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين الذين ارتكبوها، باعتبارهم مجرمي حرب، وفيما لا يعول الكثير من العارفين بسير القضايا في المؤسسات الدولية على الخطوة كثيراً يعلي آخرون من أهميتها باعتبارها تعري ازدواجية معايير الدول الكبرى وتضعها في حرج بالغ.
وفيما شدد الأمين العام المساعد رئيس قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة في الجامعة العربية السفير محمد صبيح، على أهمية الاستمرار في ملاحقة جرائم الاحتلال الإسرائيلي تجاه الشعب الفلسطيني، في المحكمة الجنائية الدولية، أبدى الباحث الفلسطيني وأستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس المفتوحة الدكتور أيمن الرقب، تفاؤلاً كبيراً بالنتائج التي سيحققها الفلسطينيون من خلال طلب ملاحقة إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية.
حق لا يسقط
وقال أيمن الرقب إن الفلسطينيين أصحاب حق، ولن يسقط ذلك الحق بالتقادم، كما أنهم متسلحون بإرادة قوية لا تلين، وبموقف عربي داعم لتحركهم، وموقف دولي من أحرار العالم ينحاز لعدالة القضية واعتراف دول العالم بالدولة الفلسطينية أكبر دليل على ذلك.
وتابع قائلًا لـ «البيان»: أعتقد أن اعتراف الفاتيكان بفلسطين سيكون له أثر إيجابي في اتجاه اعترافات الدول الأوروبية بالدولة الفلسطينية لرمزية الفاتيكان الدينية وسنستمر في حراكنا الدبلوماسي لنحرج إسرائيل وأميركا ومن يساندهما ونحن متيقنون أننا سننتزع في المحصلة النهائية قراراً من مجلس الأمن ينهي الاحتلال وكل الخيارات مفتوحة أمام شعبنا وقيادته لانتزاع حقوقه.
وأردف الباحث الفلسطيني: نحن ندرك من البداية أن توجهنا للانضمام للجنائية الدولية له ما له وعليه ما عليه، وندرك أننا سنواجه مشاكل كثيرة قد تساوي بين الضحية والجلاد، لذلك رأينا أن يتم ترتيب أولويات للملفات التي ستطرح للجنائية، فالملفات الناضجة هي الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين، وخاصة حرب غزة الأخيرة، كذلك ملف الاستيطان الصهيوني وملف الأسرى وملف جدار الفصل العنصري.. ولأننا ندرك أنه قد يُساوي بين الصاروخ الذي أُطلق من غزة ولم يجرح أي صهيوني والصاروخ الذي أطلقته إسرائيل وقتل عشرات الفلسطينيين أو أباد عائلة بأكملها.. لذلك هناك أكثر من مئتي محامٍ عربي ودولي وفلسطيني يعكفون على ترتيبها وإغلاق أي ثغرات فيها ووضع أولويات للملفات التي ستقدم للجنائية في الشهر القادم، وأعتقد أن أنضجها هو ملف الاستيطان والأسرى والجدار.
وأوضح أنه حسب القانون الدولي وميثاق روما، فإنه يحق مقاضاة أي دولة عضو في الأمم المتحدة حتى لو لم تكن عضواً في الجنائية الدولية، وأقرب مثال محاكمة ليبيا ورموز في النظام الليبي الذي هو بالأصل ليس عضواً في الجنائية الدولية.
قرار إيجابي
ولفت إلى أن مجلس الأمن منقسم، غير انه لا يملك سلطة في منع توجه الفلسطينيين إلى الجنائية - على حد قوله - ، وعندما رفض مجلس الأمن في نهاية العام الماضي إصدار قرار ينهي الاحتلال للأراضي الفلسطينية فهو بذلك دفعنا للذهاب للخطة (ب) وهي الانضمام للمؤسسات الدولية ومن ضمنها المحكمة الجنائية الدولية.
وأردف قائلًا: نحن نؤمن أن الجنائية الدولية سيكون لها قرار إيجابي وحاسم في ملف الاستيطان وجدار الفصل العنصري والأسرى.. ولكن موقفها سيكون باهتاً أو سلبياً في قضايا الاعتداءات الصهيونية، كما أشرت سابقا لربط صاروخ غزة العشوائي بصاروخ إسرائيل الموجه والعشوائي والقاتل وأن الملف سيتحول إلى ملف شائك قد تطالب إسرائيل من الجنائية الدولية بمحاكمة قيادات فلسطينية ردا على هذا الأمر.
موقف غريب
وفي تصريحات خاصة لـ«البيان» وصف السفير محمد صبيح عن تلويح الإدارة الأميركية والكونغرس الأميركي بتجميد المعونات المقدمة إلى السلطة الوطنية الفلسطينية رداً على مقاضاتها لإسرائيل لدى «الجنائية الدولية» بأنه «غريب»، مردفًا: «لقد هدد الكونغرس الأميركي بوقف المساعدات والمعونات عن السلطة الوطنية الفلسطينية ـ كما يقولون ـ ونذكر أن الولايات المتحدة أوقفت دعمها ومساهماتها حتى عن اليونيسكو عندما قبلت دولة فلسطين دولة كاملة العضوية، وهذا أمر للأسف تتبعه أميركا».
وطالب صبيح الولايات المتحدة بأن تعيد تقييم مجمل سياساتها تجاه الوضع في المنطقة، معتبراً أن المواقف الأميركية والفيتو الذي تستعمله كان دائما يصب في مصلحة تطرف اليمين الإسرائيلي. وشدد على أنه يجب أن تعيد تقييم مواقفها إلى تشكيل الحكومة الإسرائيلية الحالية وما هي تصرفاتها وخطواتها العملية على الأرض وما هي أقوالها المعلنة وغير المعلنة التي تنم عن عنصرية شديدة الخطورة.
وشدد على أن الجرائم الكبيرة جداً والمتراكمة والمتوالية والمستمرة كان لا بد أن تذهب القيادة الفلسطينية إلى المحكمة الجنائية الدولية، خاصةً بعد العدوان الخطير الوحشي على قطاع غزة الذي راح ضحيته أعداد هائلة من الأطفال وتكسير البنية التحتية حتى مؤسسات الأمم المتحدة لم تنجُ من الدمار.
وأوضح أن دولة فلسطين قدمت كل المستندات والأوراق إلى المحكمة الجنائية الدولية وقبلت من قبل المدعية العامة المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي فاتو بنسودا في الأول من أبريل الماضي. وعن الملفات المقدمة للجنائية الدولية، قال السفير صبيح: «أول هذه الملفات الجاهزة التي قدمت تقريباً هو ملف الاستيطان، ولدينا أيضاً ملف العدوان والحرب الإسرائيلية على غزة، مضيفاً: ثم بعد ذلك ستتوالى هذه الملفات لأن انتهاك إسرائيل للقانون الدولي وارتكابها لجرائم الحرب والإبادة مستمرة، وبالتالي هذه الملفات اعتقد أنه قدم على الأقل احدها إلى المدعية العامة.
وعن كيف تضمن دولة فلسطين إدانة إسرائيل لدى الجنائية الدولية؟ أشار صبيح، إلى أن المحكمة الجنائية الدولية ليس لديها ضمانة إلا ضمير الحكام، موضحاً أن القاعدة القانونية في العالم هي التي تضمن ما تقوم به المحكمة وليس لأحد ولاية عليها. ونوه بمطالبة المدعية العامة إسرائيل بالمرونة مع المحكمة الجنائية، قائلا:على أي حال إذا كانت إسرائيل لم تركب جرائم فلماذا هذا الخوف وهذه الهيستريا؟!.
رمال متحركة
قال أيمن الرقب ندرك أننا نسير على رمال متحركة وأن العالم ظالم، ولكننا مسلحون بموقف عربي واضح ونتحرك عبر المؤسسات التي شرعنت قيام إسرائيل بناء على قرار 181 عام 1947 ونحن نعتمد على هذا القرار كأساس، وكذلك قراري 242 و383 ونسعى لإحراج العالم، «إما أن تنصروا الحق أو تتحملوا تبعات إخفاق الدبلوماسية الفلسطينية» وزاد «ولن تجدوا رئيساً كالرئيس الفلسطيني أبو مازن الذي يؤمن بالسلام كخيار استراتيجي» على العالم أن يدرك أن استمرار الاستيطان الصهيوني يعني تراجعاً تدريجياً لحل الدولتين وبذلك على العالم التحرك بسرعة أو دعم التحرك الفلسطيني لوضع حد للاحتلال والانسحاب من الأراضي التي احتلها عام 1967 ومن ضمنها القدس الشرقية وهي بمجملها ما يقارب 22 بالمئة من ارض فلسطين التاريخية واقل بكثير مما منحنا إياه قرار التقسيم.

