لم تكن حادثة تبادل الضرب بين نائبين في مجلس الأمة الكويتي، التي حدثت في جلسة الثلاثاء الماضي هي الأولى من نوعها في تاريخ الحياة البرلمانية بالكويت، بل على العكس بات مشهد «تبادل اللكمات» خبراً عادياً في البرلمان الكويت، بعد أن تزايدت «هوشات» النواب في المجالس المتعاقبة، وكلها نتيجة الخطاب الطائفي.
شواهد تاريخية على هذا النوع من الخطابات يمكن الاستدلال عليها، وأبرزها ما كان يقال في ما أطلق عليه جزافا حادثة «تأبين عماد مغنية»، التي انتقل فيها الاصطفاف الطائفي من المجلس إلى الشارع، ولا يمكن تجاوز أول حادثة تبادل بالضرب في مجلس الأمة 2009 وصولاً إلى الحادثة الأخيرة بين النائبين دشتي والهرشاني، ومع هذا لم ينته الخطاب النيابي الطائفي، بل أخد في التوسع نوعاً وفعلاً.
مشهد الضرب
مشهد «الضرب» أصبح جزءاً من الحياة الطائفية التي تعيش تحت قبة عبدالله السالم وبين أروقة مجلس الأمة الكويتي، فإن لم تكن الحادثة ضربا بالأيدي و«العقل»، فهناك حوادث تستخدم أسلحة أخرى أشد، وهي تبادل العبارات والاتهامات ذات البعد الطائفي، ولا تبدو العقوبات الواردة باللائحة الداخلية للمجلس ذات جدوى في معالجة «الطائفية النيابية»، بل إن كل جزاء يمكن أن يتعرض له النائب بسبب موقف يحمل النفس الطائفي، فهناك أصوات مضمونة تقابله في صناديق الانتخابات المقبلة، وهذا انعكاس لما تعيشه الدولة من صراعات بين فئات الشعب، وإن كانت هناك محاولات لإخفائها خلف عباءة الوحدة الوطنية، لأن هذه الصراعات نتيجة حتمية لما تعيشه المنطقة بشكل عام من أزمات.
الهوشة الأشهر في تاريخ الحياة النيابية حدثت في مجلس 2009، الذي ترأسه الراحل جاسم الخرافي، عندما تبادلت اللكمات والضرب بالعقال بين النواب آنذاك أبناء قبيلة العوازم سالم النملان وفلاح الصواغ وسعد زنيفر من جهة ونواب شيعة من جهة أخرى منهم عدنان المطوع وصالح عاشور من جهة أخرى، والتي أصيب خلالها المطوع في عينه اليسرى بسبب الضرب الذي تعرض له.
وعقب حل مجلس 2009 في أواخر 2011، وانتخاب مجلس جديد في بداية 2012 والذي سيطر عليه الأغلبية المعارضة، استمرت الهوشات بل وصلت إلى حد خدش الحياء، بإشارة فعلها أحد أعضائه المثيرين للجدل آنذاك محمد الجويهل لنائب آخر، الذي حاول الوصول إليه لضربه إلا أن العقلاء تدخلوا ووقع المجلس عقوبات على الجويهل.
وبحكم المحكمة الدستورية ببطلان انتخابات هذا المجلس، انتخب المجلس الثاني الذي ترأسه علي الراشد، ولم تغب عنه الهوشات الطائفية أيضا، في وقت افتتح النائبان حمد الهرشاني والمثير للجدل عبدالحميد دشتي شريط هوشات المجلس الحالي الفعلية بتبادلهما الضرب بالعقال في جلسة الثلاثاء الماضي، والتي تعامل المجلس معها بالحزم بإحالة النائبين إلى مكتب المجلس للتحقيق.
تساؤلات
لكن، هل يعترف النواب بوجود هذا الخطاب وهم أصحابه؟ أم يبحثون دائماً عن مبرر له؟ يقول النائب عبدالحميد دشتي، وهو أحد النواب الذين يتهمون دائما بالخطاب الطائفي، وهو الطرف الثاني في العراك مع النائب حمد الهرشاني في جلسة الأسبوع الماضي: إن «معظم النواب يرفضون الخطاب الطائفي، بمن فيهم رئيس المجلس»، مستدركا «لكن هناك نفراً يحاولون إثارة هذا الخطاب، ولا أعتقد أنهم متعمقون في فهم تداعياته، وما سيترتب عليه».
بدوره، قال النائب حمود الحمدان، وهو من النواب الإسلاميين في المجلس الحالي، إن «التعاطي مع الأمور الطائفية بهدف التكسب الانتخابي لا يختلف كثيراً عن القنابل التي يتم تفجيرها في المجتمعات، ولا شك أن أعضاء مجلس الأمة يمثلون فئة النخبة للمجتمع على اختلاف طوائفهم ومناطقهم، ومن يكون نخبة فلا بد أن يكون قدوة للمجتمع في تصرفاته».
في حين يشدد النائب فيصل الدويسان على ضرورة تحديد المقصود أولا بالخطاب الطائفي، ويطرح جملة من التساؤلات، فهل عندما يتناول النائب طائفة معينة يصبح طائفيا، في حين عندما يتناول طائفة أخرى يكون غير طائفي؟ وهل الطائفية تكون عندما يدافع النائب عن فئة مظلومة أو رد الشبهات عن فئة أخرى؟
الحديث مع النواب كان يحمل نبرة رفض للخطاب الطائفي النيابي داخل قاعة عبدالله السالم وخارجه، إلا أن الواقع مخالف لما يقال للإعلام، فما يصدر عن النواب من كلمات وهمز ولمز يكفي أن يكون شاهد ملك على الخطاب الطائفي النيابي داخل المجلس.
هناك محاولات لا يمكن إنكارها لاحتواء الخطابات الطائفية النيابية، ولكنها دائما ما تكون أضعف من الموجة الطائفية التي تضرب المجلس، فهل يعي النواب بشكل خاص والسياسيون بشكل عام خطورة لعبة الطائفية السياسية؟
