يجد العراق نفسه مع اقتراب الذكرى السنوية للهجوم الكاسح لتنظيم داعش، غارقاً في نزاع يهدد وجوده كدولة موحدة، ويكبل يومياته بموجات عنف لا تتوقف وتوتر مذهبي ومأساة إنسانية يعانيها الملايين.

وسيطر التنظيم المتطرف في يونيو 2014 على نحو ثلث مساحة البلاد، معلناً إقامة «الخلافة» في مناطق سيطرته في العراق وسوريا، ومرتكباً فظائع شملت قطع رؤوس وإعدامات جماعية وسبي نساء.

وبرغم استعادة القوات العراقية بعض المناطق، فإن المتشددين التكفيريين لا يزالون يسيطرون على مساحات واسعة، وتمكنوا من الاستحواذ على مناطق إضافية برغم نحو أربعة آلاف غارة نفذها تحالف دولي بقيادة واشنطن خلال الأشهر العشرة الأخيرة.

وأسهم النزاع السوري المستمر منذ أربعة أعوام، في توفير ميدان انطلاق للتنظيم لشن هجومه الواسع في العراق. كما أفاد التكفيريون من نقمة العراقيين السنّة الذين يتهمون الحكومات العراقية المتعاقبة التي ترأسها سياسيون شيعة، باتباع سياسة تهميش بحقهم.

وتعد معظم مناطق سيطرة التنظيم في العراق ذات غالبية سنية.

ولجأ التنظيم إلى الترويج بشكل واسع للفظاعات التي ارتكبها، عبر تصوير عمليات الإعدام والذبح ونشرها في أشرطة مصورة معدة بإتقان، مواصلاً في الوقت عينه عملياته العسكرية الميدانية وسيطرته على مناطق إضافية.

واستهدف التنظيم الأقليات في شمالي العراق، فهجر المسيحيين، وهاجم مناطق وجود الإيزيديين الذين هجّر وخطف الآلاف منهم، وتعرضت نساؤهم للسبي، في ما اعتبرته الأمم المتحدة «محاولة لارتكاب إبادة».

كما أعدم التنظيم في يونيو مئات المجندين، معظمهم من الشيعة، في ما عرف باسم «مجزرة سبايكر».وأسهمت عملية الإعدام الجماعي هذه، في دفع عشرات الآلاف من الشيعة إلى حمل السلاح لقتال المتشددين. وبات هؤلاء المتطوعون وبعض الفصائل الشيعية المدعومة من طهران، يقاتلون تحت لواء «الحشد الشعبي» الذي يساند القوات الأمنية، ويشكّل رأس حربة في العديد من المعارك.

وفي حين أدى الحشد دوراً رئيساً في استعادة العديد من المناطق، فإنه بقي موضع جدل لأسباب عدة، برغم التأييد الذي يحظى به لدى الشيعة.

كما أن فصائل مشاركة في المعارك حالياً، تتهم بارتكاب إساءات لا سيما بحق العرب السنّة، إبان الحرب المذهبية في البلاد بين 2006 و2008.

وأسهم هجوم تنظيم داعش في تبديل العديد من الحدود الديموغرافية والجغرافية بين المناطق خلال العام المنصرم.

تهجير

كما تسببت أعمال العنف منذ مطلع عام 2014 في تهجير نحو ثلاثة ملايين شخص، في موجات نزوح بدلت من الطبيعة الديموغرافية والسكانية لبعض المناطق، إذ ترك عشرات الآلاف من السنّة مناطقهم نحو مناطق ذات غالبية كردية أو شيعية، كما أن العديد من هؤلاء لم يسمح لهم بالعودة إلى مناطقهم، برغم استعادتها من قبل القوات الأمنية والفصائل الشيعية.

وأعاد النزاع مع تنظيم داعش، الولايات المتحدة بقوة إلى العراق الذي غادرته قواتها في عام 2011، بعد ثمانية أعوام من اجتياحه وإسقاط نظام الرئيس الأسبق صدام حسين.

وتقود واشنطن تحالفاً دولياً يشن منذ أغسطس ضربات جوية ضد مواقع التنظيم لدعم القوات العراقية والكردية.

وعلى الرغم من أن الضربات الجوية إلا أن المتشددين وسعوا سيطرتهم في مناطق أخرى، لا سيما في محافظة الأنبار (غرب)، حيث سيطروا الشهر الماضي على مدينة الرمادي، بعد معارك استمرت أكثر من عام.

وتسببت المعارك لاستعادة أماكن سيطرة المتشددين، في دمار واسع في عدد من المدن، ما يجعل إعادة بنائها مساراً طويلاً لم تبدأ بعد.

تفاقم أزمة النزوح

بعد عام واحد من استيلاء متشددي تنظيم داعش على الموصل، ثانية أكبر المدن العراقية، تغرق البلاد في مستنقع آخذ في الاتساع، حيث يحتاج أكثر من ثمانية ملايين شخص الآن إلى «المساعدات المنقذة للحياة».

وبعد سقوط الموصل في شهر يونيو الماضي، فر نصف مليون شخص من ديارهم، وانضموا بذلك إلى 400,000 شخص نزحوا بسبب القتال بين تنظيم داعش والقوات الحكومية في الأنبار، الذي بدأ في شهر يناير. وقد فر ما يقرب من ثلاثة ملايين عراقي من ديارهم بسبب الأزمة في غضون 18 شهراً فقط، فضلاً عما يقدر بنحو مليون شخص نزحوا جراء الصراع التاريخي، بالإضافة إلى 240,000 لاجئ سوري يستضيفهم إقليم كردستان.