بعد مأساة النازحين من الأنبار إلى عاصمتهم بغداد، ومعاناتهم عند جسر «بزيبز» الذي أصبح اسمه عند الكثيرين «جسر العار»، بسبب إغلاقه وعدم السماح لآلاف العوائل بالعبور من خلاله لأيام طويلة، واشتراط «الكفيل» لبعض من سمح لهم بالعبور، أثيرت الضجة الكبرى حول المغزى الطائفي من هذه الإجراءات الحكومية غير المبررة وغير الدستورية، التي تعطي انطباعاً بأن بغداد «لا ترحّب بالسنّة»، وأن بقاءهم مع تنظيم داعش أفضل من لجوئهم إلى «الحكومة»، الأمر الذي يمكن تفسيره بأن الحكومة الشيعية ليست ضد تنظيم داعش، وإنما ضد المكون السنّي عموماً، ما يعطي التنظيم المتطرف زخماً أكبر ومبررات أكثر لتطرفه.

ثم جاءت الخطوة التالية بنقل جميع نازحي محافظة الأنبار العالقين بأطراف بغداد والآخرين المنتشرين في المدن العراقية الأخرى إلى إقليم كردستان، في سابقة غير مفهومة وبحاجة إلى تفسير حقيقي.

ونقلت الوكالة الوطنية العراقية عن الكاتب السياسي، عمر عريم، قوله إن إقليم كردستان أعلن لمرات عدة، وعلى لسان قادته ومسؤوليه، عدم قدرته على استقبال المزيد من النازحين في ظل إمكانياته المحدودة والتباطؤ الاتحادي والدولي في تقديم المساعدات اللازمة، وهو منذ أن بدأت أحداث الموصل في العاشر من يونيو العام الماضي، وما قبله أصبح وجهة المهجرين والنازحين والمطرودين من مدنهم وحياتهم وذكرياتهم بحثاً عن الأمان والاستقرار في ظل أوضاع مزرية لا تحمل للأمن والاستقرار أي معنى.

نازحون

واستقبل الإقليم الآلاف تلو الآلاف من سكان المحافظات الساخنة التي تشهد حرباً ضروساً بين تنظيم إرهابي لا يضع أي اعتبار لأية قيم إنسانية أو دينية، وبين قوات أمنية ومتطوعي حشد شعبي من أجل استرجاع ما فقد من أراض ومدن، يقف الجميع حائراً ومسائلاً: «كيف ضاعت».

وفي خضم هذه الأوضاع، يركز المتابعون للشأن العراقي، على نقل جميع نازحي الأنبار إلى إقليم كردستان، التي أصبحت بعض مناطقه تسمى «كردنبار» في ظل هذه الظروف المادية الصعبة، التي يعاني منها الإقليم بشكل خاص، ما يوجب التساؤل: ما الهدف من كل هذا؟ وهل ذهاب النازحين إلى الإقليم بعودة «بعد التحرير» أم لا؟ ولماذا فقط نازحو الأنبار من دون بقية المحافظات التي ابتليت بـتنظيم داعش؟

يقول الناشط المدني يوسف خضر: «لم نسمع سابقاً أن تم نقل المجاميع النازحة من أهالي المحافظات المنكوبة إلى إقليم كردستان وبتنسيق حكومي مع الإدارة المحلية لهذه المحافظات أولاً ومع سلطات إقليم كردستان ثانياً، فالجميع ينتظرون أن تسفر المعارك الجارية عن تحرير الأرض وعودة النازحين إلى مدنهم وديارهم، إلا أن الأمر يبدو لنازحي الأنبار أن ذهابهم إلى إقليم كردستان قد يطول».

وفي هذا الصدد، يقول مساعد مسؤول العلاقات الخارجية في حكومة إقليم كردستان، ديندار زيباري، إن أبواب الإقليم مفتوحة أمام النازحين القادمين من محافظة الأنبار، مشدداً على «ضرورة أن تضطلع الحكومة العراقية بمسؤوليتها في تقديم الدعم والمساعدة لهؤلاء النازحين».

إحصائية

ويشير زيباري إلى أن الإقليم يحتضن حالياً نحو مليوني نازح قدموا خلال السنوات الماضية، هرباً من الأوضاع الأمنية المتردية في مناطق وسط وجنوب البلاد، بالإضافة إلى مئات الآلاف من اللاجئين السوريين، مضيفاً أن استقبال أعداد أخرى من النازحين بحاجة إلى استراتيجية مدعومة من قبل المجتمع الدولي والحكومة العراقية في بغداد.

دعم

ويذكر المسؤول الكردي أن برامج الحكومة العراقية لتقديم الدعم للنازحين غير واضحة لغاية الآن، و«للأسف.. الأداء العراقي موضع شك لدى الإقليم والعراقيين بالنسبة للاحتضان ومساعدة النازحين، وبالنسبة للأنبار هناك نازحون وصلوا في السنوات الماضية، ومن الموصل وصلاح الدين، وحتى من جنوب العراق، ولكن للأسف.. آلية تقديم المساعدات من قبل الحكومة العراقية غير واضحة، ولا توجد أجندة عراقية دولية واضحة المعالم». من جانبه يقول عضو اللجنة الأمنية في مجلس محافظة بغداد، غالب الزاملي إن «بغداد لا تستطيع استيعاب الأعداد الكبيرة من النازحين، لأنها بحاجة إلى توفير سكن وخدمات».

تخوفات

أعرب نائب رئيس الوزراء العراقي صالح المطلك عن تخوفه من محاولات تغيير التركيبة الديموغرافية في الأنبار.

واعتبر المطلك أن هناك نوعاً من الاستبعاد للسنة، خصوصاً مع عدم إتاحة الفرصة لهم بالمشاركة في الملف الأمني، وأضاف نريد حشداً شعبياً يضم كل أبناء العراق.