لليوم الـ378 على التوالي، لا يزال لبنان من دون رئيس للجمهورية، ولا يزال التجاذب السياسي الذي تتخبّط فيه البلاد يكرّس الشغور الرئاسي، وهو نقل عدوى الشلل النيابي الى الحكومة، التي بات إنقاذها معلّقاً على حبال ملفّ التعيينات الأمنية والعسكرية «سلّة واحدة»، كما يشترط التيار الوطني الحرّ ويدعمه حزب الله.

وعلى خطّ الرئاسة، ومع انضمام جلسة انتخاب رئيس الجمهورية يوم الأربعاء الفائت الى سابقاتها وترحيلها الى موعد جديد هو 24 من الجاري، تجدّد الحديث عن مساعٍ فرنسية، بعد الفاتيكانيّة، للدفع في اتجاه التوافق على انتخاب رئيس، من خلال الزيارة التي قام بها مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في وزارة الخارجية الفرنسية جان فرانسوا جيرو الى لبنان، حيث بحث مع المسؤولين في تطوّرات الوضع، خصوصاً الفراغ الرئاسي، والاهتمام الفرنسي بضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية.

الى ذلك، ونتيجة ما شهدته جلسة مجلس الوزراء، أول من أمس، ارتفع منسوب التخوّف من شلل الحكومة، واعتبارها حكومة تصريف أعمال حتى انتخاب رئيس جديد للجمهورية. أما الخروج من هذه الأزمة السياسية، بحسب مصادر مراقبة، فقد يتطلّب تسوية شاملة، من تشريع في المجلس النيابي إلى العمل الحكومي إلى التعيينات الأمنية، ويمكن أن تصل إلى رئاسة الجمهورية.

عرسال والتعيينات

وفي ظلّ ارتفاع منسوب الخطر بشكلٍ متوازٍ، سواء عبر الحدود الشرقية مع سوريا من جهة، بوصفها امتداداً لجرود القلمون الشرقية، أو عبر الحدود الجنوبيّة مع فلسطين المحتلّة من جهة ثانية، في ظلّ كلام إسرائيلي عن خطّة لتهجير مليون ونصف المليون لبناني من خلال ضرب 10 آلاف هدف صاروخي لحزب الله، كانت جلسة أول من أمس شهدت فكّ الارتباط بين ملفَّي عرسال والتعيينات الأمنيّة والعسكريّة، باتخاذ مجلس الوزراء قراراً بالإجماع حول عرسال وجرودها، أعطى الجيش اللبناني الدور الوطني والرسمي في اتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادة سيطرته على عرسال وحمايتها. واسترعى الانتباه، في صيغة قرار مجلس الوزراء عن عرسال، تكليف مجلس الوزراء الجيش «إجراء التقييم الأمثل للوضع الميداني، واتخاذ القرارات والإجراءات المناسبة لمعالجة أيّ وضع داخل البلدة ومحيطها»، كما شدّد على «عدم وجود قيود من أيّ نوع أمام الخطوات التي قد يتخذها الجيش لتحرير جرود عرسال وإبعاد خطر المسلّحين عنها».

لكنّ المجلس بقي أسير ملفّ التعيينات، على رغم بتّ التمديد للمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء إبراهيم بصبوص سنتين. علماً أن وزراء التيار الوطني الحر تحفّظوا عن قرار عرسال الذي حظي بموافقة سائر الوزراء، وهدّدوا بمنع مجلس الوزراء من مناقشة أو بتّ أيّ قرار آخر قبل تعيين مرشح النائب ميشال عون، العميد شامل روكز، قائداً جديداً للجيش في أيّ جلسة مقبلة لمجلس الوزراء.

في المقابل، أبرزت الجلسة دلالات مهمة، من حيث عدم حصول تعليق للجلسات أو شلّها تماماً كما كان يُخشى قبل انعقادها، الأمر الذي أظهر بوضوح أن معظم القوى السياسية، بما فيها حزب الله، لا ترغب فعلاً في الوصول بالمأزق الحكومي الى حدود الشلل التامّ، وإن كان لا أحد يملك سيناريو عن مصير الجلسات المقبلة، بعد قرار التمديد للّواء ابراهيم بصبوص، وإعلان التيار الوطني الحر علناً عدم السماح بمناقشة أيّ بند داخل مجلس الوزراء قبل حلّ مسألة التعيينات.

وإزاء هذا الواقع، توقعت مصادر مطلّعة أن لا يستمرّ الشلل طويلاً، في ظلّ إصرار رئيس الحكومة تمام سلام على الحفاظ على حكومة الـ24 الائتلافية، وأشارت لـ«البيان» الى أن سلام ليس في وارد تعليق الجلسات، وهو سيستمرّ في الدعوة إليها، حتى ولو كانت مجرد جلسات للنقاش السياسي غير منتجة.

سيناريو التجميد

وفي معلومات لـ«البيان»، فإن السيناريو الذي كان تمّ التوافق حوله بين التيار الوطني الحر وحزب الله، ومن ورائهما المردة والطاشناق، كان تحت عنوان تجميد العمل الحكومي ريثما تبتّ الحكومة مصير التعيينات، على أساس سلّة متكاملة تجمع قيادتي قوى الأمن والجيش.

وفي حال لم تُقدِم الحكومة على هذه الخطوة، سيصرّ وزراء هذه القوى على رفض بحث أيّ بند آخر، انطلاقا من البروتوكول الذي أقَرّته الحكومة بعد الفراغ الرئاسي، وتحديداً بعد الأزمة الحكومية الأخيرة التي منحت مكوّنين حقّ الاعتراض، فكيف بالحريّ إذا كانوا أربعة مكوّنات، الأمر الذي كان اضطرّ وزير الداخلية نهاد المشنوق إلى التمديد لبصبوص، وفقاً لصلاحياته ومنعاً للفراغ. غير أنّ هذه القوى اعتبرت التمديد غير قانونيّ، وستشارك في كلّ الجلسات التي يدعو إليها رئيس الحكومة، ولكنّها ستتمسّك بموقفها القاضي برفض البحث بأيّ بند خارج التعيينات، ما يعني عمليّاً أن لا استقالة ولا اعتكاف، إنّما تجميد العمل الحكومي، لا سيما أن الحكومة تقوم مقام رئيس الجمهورية الغائب. وبالتالي، فإن كل وزير فيها بات يتسلّح بتوقيعه الإلزامي على المراسيم.

بري يحمي الحكومة

إزاء الضغط الذي تتعرّض له الحكومة اللبنانية، قال رئيس مجلس النواب نبيه بري أمام زوّاره أنه سيدافع عنها بكل ما أوتي من قوة، معتبراً أنه من غير المقبول تعريض آخر المؤسّسات الدستورية التي لا تزال تعمل لخطر التعطيل. وتابع: «إذا اعتكف طرف ممثل في الحكومة وبقي العامل الميثاقي مصاناً، فإنها تظلّ قائمة وقادرة على العمل».