تعيش تونس التي تصاعد فيها عنف جماعات مسلحة، معضلة كلاسيكية ولكنها شائكة: كيف يتمّ التوفيق بين «الحق في المعلومة» والأمن لبلد في منطقة «الربيع العربي» الذي رسخ دستوره حرية الصحافة والتعبير؟

و«حرية الصحافة والإرهاب أمران مستجدان في تونس» بحسب الباحث في علوم الاتصال والإعلام محمد فهري شلبي الذي يرى أن الأداء الاتصالي للجهات الرسمية عند وقوع حوادث إرهابية وتغطية الصحافة لهذه الحوادث يحتاجان مراجعة وتطويرا.

حاجة للتدريب

وقال شلبي: «عندما يحرم الإنسان من شيء ما مثل حرية الصحافة ثم يُطلقُ له العنان في ممارسته فإنه يخطئ أكثر مما يصيب»، لافتا إلى حاجة الصحافيين إلى التدريب والالتزام بأخلاقيات المهنة.

وآخر هذه الأخطاء إعلان وسائل إعلام في خبر عاجل عن تعرض ثكنة بوشوشة العسكرية بالعاصمة تونس إلى هجوم إرهابي يوم 25 مايو الماضي، وحصول مواجهات داخل الثكنة وفي محيطها بين الجيش وإرهابيين بينهم نساء.

وإثر انتشار الخبر، أعلنت وزارة الدفاع أن الأمر يتعلق بإقدام رقيب أول يعاني اضطرابات نفسية على قتل عدد من زملائه بالسلاح قبل أن يقتله الجيش في حادثة معزولة.

وبعد إعلان الوزارة حيثيات الواقعة، هاجم نشطاء انترنت وسائل الإعلام التي نشرت معلومات خاطئة. وكتب ناشط على حسابه في تويتر عاجل: «صحافيون يرهبون الشعب».

و«يؤدي نشر المعلومات المغلوطة والروايات المتعددة والمتضاربة (حول الحوادث الإرهابية)، الى كثرة التأويلات، ويسبب حيرة للرأي العام» وفق الناطق الرسمي باسم وزارة الدفاع بلحسن الوسلاتي.

وانتقد الوسلاتي تسرع الصحافة في نشر معلومات مغلوطة عوض انتظار الأخبار الصحيحة من الجهات الرسمية، مقراً بأن السلطات لا تعلن هذه الأخبار بالسرعة التي يرجوها الصحافيون لأنها تحتاج وقتاً للتثبت من المعلومات.

تساؤل موقع

وتساءل موقع «بزنس نيوز» الذي نشر خبرا حول مشاركة نساء مسلحات بمواجهات ضد قوات الجيش قرب ثكنة بوشوشة العسكرية، قبل ان يقوم بتحديث الخبر، «لماذا نُهان ويُطعن في مصداقيتنا في حين أننا لم نقم إلا بعملنا، بتقديم سريع لمعلومة نستقيها من مصادر رسمية و/أو موثوقة؟».

ومنذ الإطاحة مطلع 2011 بنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، تتهم السلطات المتعاقبة على تونس الصحافة المحلية بارتكاب «انحرافات» في حين تنتقد وسائل الإعلام غياب الشفافية لدى السلطة.

وفي صيف 2013 أثار بث التلفزيون الرسمي وقنوات خاصة مقاطع فيديو من دون مونتاج للحظة وصول جثامين ثمانية جنود قتلهم مسلحون بجبل الشعانبي (أعلى قمة في تونس) الى مستشفى القصرين (وسط غرب) سخط قيادات أمنية وعسكرية.

دعوة للتحري

وفي تعليقه على نشر مثل هذه المشاهد، قال الناطق باسم وزارة الداخلية محمد علي العروي: «يجب ألا تصبح حرية الإعلام مطيّة للاعتداء».

لا حياد

ترفع نقابات الأمن في تونس شعار «لا حياد صحافيا مع الإرهاب» وتدعو وسائل الإعلام الى «الانخراط في الحرب على الإرهاب» و«تقديم المصلحة الوطنية على السبق الصحافي».

ويرى الصحافي وليد الماجري ان «صناعة الخبر تتطلب أن تكون هناك مسافة بين الصحافي وبين طرفين آخرين على الأقل: الطرف الأول هم المتصارعون، والطرف الثاني هو الرأي العام».