تشهد تونس حالياً جدلاً واسعاً حول الثروة النفطية، انطلق من مواقع التواصل الاجتماعي في إطار ما سمي بحملة «أين هو البترول»، ثم تحول إلى حراك في الشارع واتهامات متبادلة عبر وسائل الإعلام بين أطراف ممثلة في الرئيس السابق المنصف المرزوقي وأنصاره، تتعمد تجييش الشارع ضد الحكومة من جهة وبين الائتلاف الحاكم والفاعلين الأساسيين في مجال النفط من جهة أخرى.
وشهد شارع الحبيب بورقيبة مسيرة حاشدة السبت، شارك فيها محتجون قادمون من كل جهات البلاد وسط تعزيزات أمنية مكثفة، ورفع المتظاهرون العديد من الشعارات المناوئة لسياسات الحكومة الحالية والحكومات المتعاقبة التي وصفوها بـ«المشبوهة» و«غير الشفافة» في مجال الطاقة، متهمين السلطات الرسمية بالتستّر على الأرقام الحقيقية لإنتاج النفط والغاز في البلاد.
وانتشرت حملة «أين البترول» عبر مواقع «الفيسبوك» و«تويتر» قبل أن تتحول إلى برنامج ألعاب يتم تحميله للهواتف النقالة عبر «الأندرويد».
وانخرطت بعض الأطراف السياسية على غرار التيار الديمقراطي في حملة «أين البترول»، وأكدت أنّ تونس تملك 52 حقل إنتاج منها 18 تحت تصرّف شركات خاصة بـ100 في المئة، مشدّدة على أنّ حكومة المهدي جمعة مدّدت في شهر ديسمبر 2015 في سبع رخص استكشاف على الأقل دون الرجوع إلى مجلس نواب الشعب.
مطالب المحتجين
وتحت شعار «لا خوف، لا رعب، البترول ملك الشعب»، طالب المحتجون بما اعتبروه «حقهم في مقدرات الطاقة الوطنية»، والتأميم الفعلي للثروات الطبيعية، ومراجعة عقود البترول، وخاصة إقصاء ما أطلقوا عليه «شركات النهب العالمية»، وطالب المختص في التنمية الجهوية بلال عرقوبي بضرورة كشف الحقائق وإماطة اللثام عن ملفات الفساد في مجال الطاقة، بعيداً عن سياسات الضبابية والتعتيم والتستر على الناهبين من تونس وخارجها.
وذكر كاتب عام نقابة التجار المستقلين معز العلوي أن هذه المسيرة تتنزل في إطار مطالبة التونسيين بحقهم في الثروات المنهوبة، لا سيما أن الثورة التونسية اندلعت من أجل الكرامة والحرية والشغل، وقال إنه في ظل غياب الإرادة السياسية لوضع خطط عاجلة للقضاء على التهميش والإقصاء والفقر في المناطق الداخلي، سيسترجع الشعب التونسي ثرواته من الشركات الناهبة، معتبراً أن امتلاك الشعب مقدراته هو الطريق الوحيد لتحقيق الاستقلال التام والسيادة الوطنية.
وبحسب رئيس جمعيّة النهوض بشباب تونس محمّد أمين الكوكي، فإنّ الفصل 13 من دستور 27 يناير 2014 يؤكّد أنّ الثروات الطبيعية ملك للشعب التونسي، والدولة تمارس السيادة عليها باسمه، مبرزاً أنّ عقود الاستثمار المتعلقة بها تعرض على لجنة مختصة بمجلس نواب الشعب، كما تعرض الاتفاقيات التي تبرم في شأنها على المجلس للموافقة.
اتهامات للمرزوقي
بدوره، قال القيادي في حركة نداء تونس محمد الطرودي إن الأطراف التي أطلقت حملة «أين البترول» هي نفسها التي كانت في سدة الحكم، ولم تقدم آنذاك إجابة عن هذا السؤال، معتبراً أن هذه الأطراف تسعى إلى زرع الفتن وتقويض المكاسب الوطنية عن طريق النعرات الجهوية وإشاعة فكرة نهب الثروات الطبيعية، حسب تعبيره، في إشارة إلى فريق الرئيس السابق منصف المرزوقي، وتتهم الأطراف الحاكم بالوقوف وراء الحملة من أجل إحراج الحكومة الحالية وإطاحتها،
ولاحظ الطرودي أن الهدف من هذه الحملة هو ضرب وحدة الشعب التونسي، واستغلال تلقائية أهالي الجنوب، منبهاً إلى أن وضع البلاد لا يتحمل مثل هذه التحركات الاحتجاجية التي ستخلق أزمة سياسية عبر تفشي الفوضى وضرب مسار الانتقال الديمقراطي.
وقال رئيس الجمعية للحوكمة معز الجودي إن الحديث عن أن تونس تسبح فوق بركة من الغاز والبترول وأن هناك نهباً وسرقة وتحويل وجهة الثروة الوطنية إلى الخارج غير مقبول.
واتّهم الجودي أطرافاً سياسية بالوقوف وراء هذه الحملة، والأخطر من ذلك أن بعض هذه الأطراف تريد إشعال الفتنة بين الجنوب والشمال، وفق تعبيره، وتابع أن هذه الأطراف تقول أن البترول موجود في الجنوب وأهل الشمال يستغلونه، مشيراً إلى أن من بين هذه الأطراف الرئيس السابق منصف المرزوقي، حسب تصريحه.
مذكرة تفاهم
أكد المستشار في الرئاسة التونسية والأمين العام لحركة نداء تونس محسن مرزوق أن التقارب مع الولايات المتحدة لا يستهدف الجزائر. وقال في تصريحات صحافية: «سياستنا الإقليمية واضحة، أولها علاقاتنا الاستراتيجية بالشقيقة الجزائر التي هي بيتنا كما تونس بيت الجزائر، وأمننا مشترك».
وجاءت تصريحات مرزوق رداً على تقارير إعلامية جزائرية كانت أشارت إلى وجود انشغال جزائري رسمي، وصل إلى مرحلة القلق، من الاتفاق الأمني الذي وقعته تونس مع الولايات المتحدة خلال الزيارة الأخيرة للرئيس التونسي الباجي قايد السبسي إلى واشنطن.