الحوار الوطني بين فرقاء ليبيا أمر يعول عليه الجميع كخطوة أساسية في تخطي الأزمة، غير أنه يبدو ليس بالبساطة أن يتم جمع كل الأطراف على طاولته، فهناك الكثير من المعوقات التي وقفت في مواجهة تحقيق هذه الخطوة، وهو الأمر الذي يثير تكهنات باستمرار الأزمة على هذا الوضع لسنوات.
ووفق خبير الشؤون الدولية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور سعيد اللاوندي، فإنه جرت العادة أن يكون الحوار أساس حل الأزمات، وهو الأمر الذي ينطبق أيضاً على الأزمة الليبية، فلا مفر من أن يكون هناك حوار وطني يضم جميع الأطياف للجلوس على طاولة المفاوضات من أجل الاتفاق حول آلية الإنقاذ من تلك الأزمة الطاحنة التي تضرب البلاد منذ سقوط نظام القذافي.
معوقات وعقبات
وأضاف اللاوندي، لـ »البيان«، أن خطوة الحوار الوطني ما زالت يقابلها العديد من المعوقات والتي تتمثل في عدم موافقة كل مكونات الساحة السياسية الليبية في الجلوس على طاولة الحوار، فالبعض يقبل والبعض الآخر لا يقبل هذه الخطوة، كما أن وجود ميليشيات مسلحة على أراضي ليبيا في مقابل جيش وطني مطبق عليه قرار حظر تسليح يجعل القوى غير متكافئة على الأرض في ليبيا..
فضلاً عما تمارسه الدولة الكبرى في وضع عراقيل في طريق هذه الخطوة، وكأنها تنتقم من ليبيا، باستمرار هذه الأزمة وتأجيج الصراع في ليبيا. فيما رأى مراقبون أن الخطوة الأولى والأهم في سبيل حل الأزمة الليبية تتمثل في الحوار الوطني لكافة أطياف وأطراف الأزمة على الساحة الليبية..
وهو الأمر الذي يشهد تعثراً كبيراً في الوقت الراهن، حيث لم يستطع أحد من أطراف المجتمع الدولي أو العربي النجاح في تنفيذ هذه الخطوة، وهو الأمر الذي يطيل من عمر الأزمة ويجعل كافة الخطوات الأخرى عاجزة عن تقديم حل ، مشيرين إلى أن نوايا المجتمع الدولي في تنفيذ هذه الخطوة غير موثوق في صدقها، فيما تظل الجامعة العربية ليست أهلاً للتعويل عليها في القيام بمثل هذه الخطوة.
تجاهل مضر
فيما أشار الخبير العسكري مساعد وزير الدفاع المصري الأسبق اللواء نبيل فؤاد، إلى أن العائق الذي يواجه نجاح خطوة الحوار الوطني، هو طريقة تناول المبعوث الأممي له، مؤكداً أن نجاح الحوار يتوقف على أن يجمع الحوار كل الأطراف،..
وهو الأمر الذي لا يتحقق، حيث تقتصر محاولات المبعوث في حل الأزمة من خلال التواصل مع الحكومة المنتخبة ومجلس النواب السابق، فقط، مع تجاهل باقي الأطراف، ما ينبئ بمصير محتوم وهو الفشل في التوصل لحل للأزمة. بينما أكد مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير أحمد أبو الخير، أن عدم قدرة الجيش الليبي على تطهير ليبيا من الجماعات الإرهابية المسلحة..
وذلك في ظل حظر التسليح المفروض عليه دولياً، يجعل من خطوة الحوار الوطني ضرورة ملحة وأساسية في تحريك الأزمة نحو الحل. وأضاف أبو الخير، في تصريحات خاصة لـ »البيان«، أن نجاح الحوار من عدمه يتوقف على مدى صدق نية الأطراف للوصول إلى تسوية سياسية سلمية، وهو الأمر الذي سيدفع الموقف الدولي للرضوخ في النهاية..
مشيراً إلى أن السلام التام والاستقرار لن يتحقق نهائياً سوى بتطهير ليبيا وأراضيها من الجماعات الإرهابية المسلحة، وهو الأمر الذي سيتحقق بضغط الأطراف الليبية المتوافقة في رفع الحظر الدولي عن تسليح الجيش الليبي.
دول الجوار فريق إطفاء يفتقد التجهيزات
تضطلع مصر والجزائر وتونس بدور كبير في إطفاء لهيب الحرب الأهلية في ليبيا والمساعدة على عودة الاستقرار للأوضاع الأمنية والسياسية هناك.
واستضافت القاهرة اجتماعات ولقاءت عديدة من أجل الاتفاق على توحيد الجهود والتعاطي الإيجابي مع الأزمة ودفعها للحل، ورعاية المفاوضات والحوار الوطني للخروج من الأزمة.
وعن جهود دول الجوار في المساهمة في حل الأزمة الليبية، قال الخبير الاستراتيجي المصري د. حسين القزاز لـ »البيان«، إن دول الجوار الليبي قررت تشكيل قوة عسكرية مشتركة سيتم إنشاؤها خلال الأربعة أشهر المقبلة، لتكون مهمتها التدخل في أي مكان يشهد صراعات مسلحة تهدد أمن وسلامة تلك الدول، حتى يتم تدمير أي نية لاتساع بؤرة الإرهاب وتهديد وحدة هذا المحور والأمة العربية بأكملها.
وأضاف القزاز أن الوضع الليبي يضع الدول العربية بصفة عامة في خطر دائم، بل قد يكون هذا هو الهدف من تأجيج الأوضاع في ليبيا..
وهو ما جعلها بوابة لإغراق تلك الدول في مواجهات أمنية مسلحة مع العناصر الإرهابية المتسللة لها من خلال الحدود المشتركة ، موضحاً أن الوضع في المنطقة العربية بأكملها يستلزم وقفة جادة ومحاولات دؤوبة للقضاء على البؤر الإرهابية في البلدان التي تشهد صراعاً طائفياً، مثل سوريا والعراق واليمن، فتلك الدول أصبحت بؤرة لجذب تكفيريي وإرهابيي العالم.
ورأى مراقبون أن الوضع في ليبيا متشعب ومعقد كثيراً، ما تسبب في الإضرار بأمن الدول المجاورة لها وبتوازنات حساباتها العسكرية والسياسية..
ولذلك فعلى دول الجوار أن يكون لها دور في استعادة الاستقرار في ليبيا، من خلال علاقاتها بكل الأطراف المتصارعة وطرح المبادرات الدبلوماسية لحل الأزمة ، متهمين أطرافاً دولية على رأسها الولايات المتحدة الأميركية أنها السبب في تغذية لهيب الصراع ، وأنها السبب في عرقلة الجهود الدولية العسكرية لتهدئة الأوضاع الفوضوية هناك.
وأكدوا أن أي عمل عسكري خارجي لن يكون كافياً للمساعدة في تخفيف التوترات في هذا البلد الممزق بسبب الحرب الأهلية، مشيرين إلى أنه لا يمكن إنهاء الأزمة ببضع ضربات جوية قليلة، ولكن لا بد من استكمال الجهود العسكرية حتى القضاء على العناصر الإرهابية هناك، وذلك جنباً إلى جنب والحوار الوطني.
فيما رأى المحلل العسكري والاستراتيجي اللواء يسري قنديل، أن الأوضاع في ليبيا تأزمت خلال الفترة السابقة كثيراً، بما أعطى الضوء الأخضر للجماعات الإرهابية هناك بأنها في حماية الدول الكبرى لتطلق يدها لتعيث فساداً في الأراضي الليبية. وأضاف أنه على دول الجوار الليبي،..
والتي عليها أن تعمل على تهدئة الأوضاع وإعادة الاستقرار السياسي والأمني حتى تأمن على نفسها من خطر انتشار الإرهاب وتسلله إليها من خلال الحدود المشتركة بينها وبين ليبيا، أن تعمل للضغط على التحالف الدولي من أجل التدخل.
وأضاف أن الاقتتال الداخلي في ليبيا الهدف منه هو عمل »كماشة« على مصر ثم تونس ثم الجزائر، ذلك النطاق المسمّى »الحزام الناسف« للمنطقة العربية بأكملها، والتي إن لم تظل متماسكة وموحدة فستنتشر حمى الاقتتال الأهلي في الوطن العربي بأكمله. وأوضح أنه على التعاون العسكري العربي والذي نجح في مهمته باليمن من الممكن أن يتم توسعته ليشمل دول الصراع والتي يأتي على رأسها ليبيا ثم سوريا والعراق، حتى يعاد الاستقرار لها بما يضمن استقرار المنطقة بأكملها.
