كسرت التطورات الجديدة المستجدة على الساحة السورية حالة الفتور النسبي بين أنقرة وواشنطن على خلفية الاتفاق الذي جرى بين الطرفين، الذي يلزم تركيا «من حيث المبدأ» وفق تعبير وزير الخارجية التركي مولد جاويش أوغلو بتقديم بلاده دعماً جوياً لبعض قوات المعارضة السورية الرئيسية، فيما يمكن أن يمثل في حال تأكده توسعاً في المشاركة الأميركية على ساحة القتال في سوريا، في الوقت الذي تضع تركيا مسألة الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد في قمة أهدافها.
كلا الجانبين لم يفصحا -ربما لضرورات أمنية- عن تفاصيل بنود الاتفاق الذي اقتصرت عناوينه على دعم جوي سيوفر الحماية للمقاتلين السوريين الذين تلقوا تدريباً في إطار برنامج تقوده الولايات المتحدة على الأراضي التركية، ويهدف البرنامج الذي تأجل طويلاً إلى إرسال 15 ألف مقاتل إلى سوريا لقتال تنظيم داعش.
معادلات جديدة
تركيا التي كانت تسير بالحذر الشديد حيال الملف السوري وخصوصاً بعد بدء حملة التحالف الدولي ضد تنظيم داعش وما تبعه من سلوك غير مستقر في حسم مشاركتها علناً عبر تسهيل استعمال القواعد الجوية العائدة للناتو على أراضيها، هذه الوضيعة المترددة حسمت مع توقيع الاتفاق الأخير، لأسباب قد تعود في المقام الأول إلى تغير المعادلات العسكرية داخل سوريا في الأشهر المنصرمة لصالح حلفائها في المعارضة، وكانت لها تداعيات مباشرة على الانهيار العسكري الذي يجتاح هيكلية الجيش السوري النظامي وحلفائه.
وتبعاً للمؤشرات الأخيرة، فإن توغل التنظيم في كل من الرمادي العراقية، وتدمر السورية ساعم في دفع الولايات المتحدة إلى ضرورة استعمال القواعد الجوية التركية لتسيير رحلات استطلاع بطائرات بدون طيار مسلّحة وربما أيضاً لتنفيذ مهام قتالية.
تقاطع مصالح
وحتى الآن يتضح أن تركيا متشوقة لتلبية بعض المطالب الأميركية بسبب تقاطع المصالح الأمنية الثنائية، وهو أمر شدد عليه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تصريحاته الأخيرة بوجوب تطويق نفوذ «داعش» الذي يهدد المنطقة وبات يشكل أزمة عالمية.
التساؤل الذي يطرح نفسه في هذا السياق، أين ستكون وجهة مقاتلي المعارضة السورية المعتدلة التي يجري تدريبها في قواعد عسكرية تركية؟ ولماذا يلزم الأمر تأمين غطاء جوي طالما أن تنظيم داعش لا يتمتع بالقدرات الجوية كما النظام السوري، علاوة على أن برنامج التدريب في تركيا تعطل مرات عدة بسبب رفض أنقرة أن تكون مهمة هؤلاء المقاتلين مقتصرة على مقاتلة التنظيم الإرهابي، وهو الأمر الذي تصر عليه واشنطن.
ولعل التفسير المنطقي يكمن في أن غالبية مقاتلي المعارضة التي يجري تدريبهم لديهم ميول في معاداة الأسد وهم على استعداد لمحاربته مستقبلاً، وإن كانت أولوياتهم تقتصر على محاربة «داعش» الذي بات يهدد تركيا بسبب تمركزه على معابر حدودية معها.
مكسب
ربما يعتبر المكسب التركي الوحيد المنتظر من اتفاقها مع واشنطن ، أن تطلق الاخيرة يدها للضغط على النظام السوري في شمال البلاد بحرية أوسع، حتى لو تطلب أن تساند مقاتلي المعارضة المتشددة في حلب بغية السيطرة النهائية على المدينة، في خطوة اعتبرها محللون أتراك محاولة لتحقيق التوازن العسكري في الساحة السورية.