تماشياً مع التطورات الميدانية المتسارعة، وتبدل خريطة نفوذ القوى العسكرية في سوريا منذ قرابة شهرين بصورة خاصة، بدأ يتصاعد خطاب في الأوساط السورية يشي بوجود مخططات تدار في الكواليس تهدف في المقام الأول بجر البلاد إلى تكريس كيانات طائفية وقومية كخيار يحاكي تمركز القوى الرئيسية، بالتوازي مع جولات مكوكية في المشهد الدبلوماسي والسياسي المتداول داخل أروقة القوى الدولية والإقليمية، وما يجري من مداولات سياسية بين الأطراف السورية مع المبعوث الدولي ستفيان دي مستورا.
التقسيم إلى الواجهة
وتدور سجالات حادة في الأوساط السورية، حيث تأخذ سيناريوهات محتملة حمولة تأكيداتها من رحم المؤشرات المتبلورة، إذ عاد الحديث مجدداً عن فرضية تقسيم البلاد إلى الواجهة، ومما لا شك فيه، أن هذه الفرضية استمدت تأثيرها بصورة واضحة مما جرى في مدينة تدمر في غضون الأيام الماضية، وسقوطها بيد تنظيم داعش الذي أحدث تحولاً في الصراع الدائر في سوريا، إذ أصبح التنظيم مطلاً على ثلاثة محاور جغرافية في غاية الأهمية، الاتجاه الأول جبهة السفيرة في ريف حلب الشرقي، والثاني خاصرة حمص وحماة الشرقي، والثالث القلمون الشرقي ودمشق. علاوة على ربط كل من دير الزور وبعض الأرياف في الحسكة والرقة بتلك الجبهات الثلاث، ما يقدر أن سيطرتها وصلت إلى 50 في المئة من الأراضي السورية التي تشمل بادية الشام الموصلة بالعمق السني في جنوب غربي العراق.
حلب وإدلب
في حين تشهد إدلب انتصار «جيش الفتح» والذي يعتبر بالقياس إلى الإنجازات على مساحة البلاد مسكناً وليس علاجاً بنظر المعارضة، ولا يستبعد العميد مصطفى الشيخ الذي كان يقود قيادة الجيش الحر في فترة سابقة بوجود مساعٍ من قبل النظام بشكل أو بآخر إلى تفريغ حلب بهدوء، ومن المفترض أن «يسعى تنظيم داعش إلى ضم حلب كخطوة استراتيجية بعد تشرذم الفصائل المقاتلة بحلب وتفسخها السريع بعد المعركة الشهيرة له في حندرات، في ظل غياب الدعم وسيطرة قيادات غير مؤهلة على تلك الفصائل».
وربما تتفاعل سخونة التطورات التي تجري الآن مع حرارة الصيف العالية نظراً إلى أن الترتيبات الجارية بغرض تحقيق هذا السيناريو على المدى القريب والمتوسط ربما يتم ترجمتها في الصيف وفق العديد من المراقبين، إذ ستشكل التموضع الوظيفي لـ«داعش» في خواصر المناطق السنيّة الممتد من شمال البلاد إلى جنوبها، الأمر الذي يرجح تفجير التناحرات بين الفصائل والقوى العديدة في تلك المناطق، على الرغم من أن القوى الإسلامية غير المصنفة في خانة الإرهاب ترفض أي دعوات تدعو إلى التقسيم وفق ما جاء في بنود بيان «المجلس الإسلامي السوري» في اسطنبول، وحضره زهران علوش قائد جيش الإسلام في الغوطة الشرقية.
«داعش» أداة حصار
وبخلاف ذلك، يرجح الناشط السياسي السوري حمد شهاب الجبوري بأن يشكل «داعش» طوقاً يفرض حصاراً على دمشق من الجهة الشرقية ويشغل التشكيلات المعارضة المسلحة في الريف، كما سيفرض طوقاً على حمص من الشرق والشمال ويشاغل قوات الثورة القادمة من الشمال، ريثما ينتهي النظام من ترتيبات إعلان كيان إداري محلي بمصادقة القوى الدولية في المؤتمرات المزمع عقده لتسوية الأوضاع في سوريا بشكل نهائي.
وبدوره، دوّن المعارض السوري الذي ينحدر من الطائفة العلوية لؤي حسين في صفحته على «الفيسبوك» مواقف تؤيد هذا الطرح، إذ قال: «دون مؤامرة أو مخططات وأجندات فإن الأوضاع في سوريا تسير، في أحسن حالاتها، إلى تكريس تقسيم البلاد وفق سيطرة القوى المسلحة، أي بين النظام وداعش والنصرة. تقسيم مؤقت لا ينتهي بعودة سوريا التي نعرفها بل إلى شكل لا أعرفه». واعتبر حسين بأن السيناريو الذي سيجري تطبيقه، سيكون بعد الانتهاء من جبهات القتال غير المحسومة، مثل دير الزور وحماة وريف حمص وحوران بما فيها مدينة درعا وكذلك مدينة حلب وريفها.
تقلص النظام
وعليه، ترجح التوقعات وفق مسار المعارك، أن تقتصر سيطرة النظام، بعد أشهر قليلة على قلب مدينة دمشق ومدينة حمص وطرطوس واللاذقية والسويداء، وتكون إدلب وحماة وريف حمص وقسم من ريف حلب لجبهة النصرة، والباقي ما عدا حوران لـ«داعش». والغوطة لـ«جيش الإسلام». في الوقت الذي تجري فيه مساعٍ في بعض البلدان العربية لتدريب المعارضة السورية، وتبعاً للمراقبين سيقع عبء عليها على المدى الطويل في تحرير حمص ودير الزور والرقة وحلب من تنظيم داعش، شريطة تجميد القتال مع النظام على خطوط التماس إلا في الحالات الدفاعية.
حل توافقي
واستجابة لهذه التطورات الميدانية، يفرض أهمية التمثيل السياسي وضرورة التوصل إلى حل توافقي لانتقال السلطة نفسه على المشهد، ولعل مؤتمر جنيف 3 قد يكون مخاضاً يدفع الصراع إلى مقاصد التطورات المتوقعة، وخصوصاً أن ميخائيل بوغدانوف المبعوث الروسي في الشرق الأوسط أفصح مؤخراً عن موقف واشنطن من الرئيس بشار الأسد معتبراً وفق رؤية واشنطن لا بديل عنه في البلاد، ما يعني إمكانية تعويم النظام ضمن جغرافية معينة وعلى الأغلب ستكون في المناطق الساحلية وبعض الجيوب الداخلية.
روابط كردية
المناطق الكردية في شمال شرقي البلاد ليست بمعزل عن هذه تطورات التقسيم، نظراً لأن القوات الكردية تحقق تقدماً في وجه داعش لا سيما في منطقة الجزيرة وكوباني (عين العرب) عقب سيطرتها مؤخراً على جبل عبدالعزيز الاستراتيجي في جنوب غرب مدينة الحسكة. وتشير التقديرات الأخيرة إلى أن المساعي الكردية ماضية في ربط منطقة الجزيرة بنظريتها في كوباني تمهيداً لترتيب الروابط مع مدينة عفرين الثالث المدن الكردية في شمال غرب مدينة حلب.