فقدت الكويت أول من أمس رئيس مجلس الأمة السابق جاسم محمد الخرافي عن عمر يناهز الخامسة والسبعين.
وولد الفقيد في حي القبلة العام 1940، وتلقى تعليمه الأولى في مدينة بومباي الهندية وفى روضة المثنى بالكويت، ثم التحق بكلية فيكتوريا في مدينة الاسكندرية، وبسبب ظروف العدوان الثلاثي على مصر العام 1956 عاد إلى الكويت ودرس في ثانوية الشويخ، ثم اكمل تعليمه الجامعي في كلية مانشستر في بريطانيا حيث حصل على دبلوم في ادارة الأعمال.
وتولى الخرافي منصب رئاسة مجلس الأمة من 1999 حتى 2011، وحاز عضوية مجلس الأمة في مجالس: 1975، 1981، 1985، 1996.
كما تقلد منصب وزير المالية والاقتصاد منذ 1985 إلى 1990. وفي 1962 وبعد استكمال مسيرته التعليمية، عاد الفقيد إلى الكويت وعمل في القطاع الخاص وتقلد العديد من المناصب منها العضو المنتدب في شركة الفنادق الكويتية، عضو مجلس الادارة بالشركة الأهلية للتأمين، العضو المنتدب لشركة الالومنيوم، القنصل الفخري لجمهورية باراغواي في دولة الكويت وغيرها من المهام والمسؤوليات في القطاع الخاص.
وتزامنت عودته بعد اكمال دراسته مع بداية مرحلة من أهم مراحل الكويت حين شهدت ولادة الدستور الكويتي، وأول انتخابات نيابية تجرى بعد الاستقلال لاختيار 50 عضواً يمثلون الشعب في مجلس الأمة. وعاش وراقب عن كثب احداث تلك الانتخابات التي جرت العام 1963. وقرر الخرافي الترشح لانتخابات مجلس الأمة العام 1975 عن الدائرة الثانية، والتي جرت في 27 يناير ونجح بحصوله على 592 صوتاً.
دور وطني
ومارس الخرافي دوره في العمل الوطني المعتدل من خلال الحوار مع مختلف الكتل الوطنية لبحث سبل حل الإشكالات التي تواجهها البلاد وذلك بعد حل مجلس الأمة 1966 وفترة الغياب التي شهدتها الساحة السياسية في الكويت إلى العام 1981 وهي المرحلة التي تعد من أصعب المراحل السياسية التي عاصرها.
وأدى الدور الوطني الذي سار به الخرافي إلى قيام الحكومة بدعوته إلى المشاركة في لجنة تنقيح الدستور التي شكلتها للنظر في تعديل بعض مواد الدستور، الا انه رفض ذلك انطلاقاً من قناعة راسخة لديه بأن أي تعديل للدستور يجب أن يتم ويبقى في اطار ما نص عليه.
لقب الإطفائي
وفي مجلس الأمة 1981 عرف الخرافي بين زملائه اعضاء المجلس بلقب «الإطفائي» نظراً لاتباعه سياسة التهدئة، وتمسكه بمبدأ العقلانية في التعامل مع القضايا الخلافية بين اعضاء المجلس من جهة وبين الحكومة والمجلس من جهة أخرى حفاظاً على استمرار الديمقراطية واستمرارا للرقابة الشعبية على الأداء الحكومي في مناخ إيجابي.
وقبل الفقيد تلك المسؤولية انطلاقاً من قناعته بأن الأوضاع الاقتصادية المتدهورة تدفع بأي انسان مخلص لوطنه ليساهم قدر استطاعته في وقف الانهيار الاقتصادي الناتج عن ازمة سوق المناخ. ونال الخرافي رئاسة مجلس الأمة لأول مرة في 17 يوليو 1999 بعد فوزه بـ 37 صوتا وبفارق عشرة أصوات عن منافسه النائب أحمد السعدون بعد استبعاد ورقة واحدة لبطلانها. واستمر الخرافي رئيسا للمجلس من 1999 حتى 2011.
جسور الثقة
والتزم الخرافي خلال فترة رئاسته مبدأ الحياد في ادارة الجلسات والمناقشة حتى تتوفر للرئاسة القدرة على تنسيق المواقف، ومد جسور الثقة مع مختلف الكتل والتيارات، والاتفاق على الاولويات والقضايا المطروحة، حيث اثمر ذلك عن نتائج ايجابية مهمة وعلى رأسها التحرك بشكل جماعي للمجلس لمواجهة القضايا المطروحة.
ولعب الفقيد دوراً محورياً في حسم قضية مسند الإمارة في الكويت، عقب وفاة الأمير الشيخ جابر الأحمد الصباح في الخامس عشر من يناير 2006. ومنذ بداية القضية وحتى نهايتها، اعلن الخرافي تمسكه بالدستور وثقته في الاسرة الحاكمة على تخطي تلك الظروف، وكان ذلك التوافق من اهم العوامل التي ساعدت على انهاء القضية من دون حدوث اية مضاعفات وساهم في انتقال السلطة بشكل سلس.
«بلاغ الكويت»
وفيما تعرض الخرافي للظلم في الشهور السابقة على وفاته بتوجيه اتهامات خطيرة له من قبل نائب رئيس مجلس الوزراء السابق الشيخ احمد الفهد والمتمثلة بـ«التآمر على قلب نظام الحكم»، فقد انصف قبل ايام من رحيله وجاء الحق بالحكم القضائي الذي اكد فبركة الأشرطة التي قدمها الفهد للنيابة العامة، وما تبعه من اعتذار رسمي قدمه الأخير عما نسبه إليه بعد تأكده من عدم صحتها.
تشييع وتأبين
وفيما شيع رئيس مجلس الأمة الكويتي السابق أمس، كان لافتا تصريح رئيس مجلس الأمة مرزوق الغانم الذي قال في رثاء خاله: «استرجع في لحظة وداعك يا ابا عبدالمحسن كل محطات عطائك الوطني سياسياً وبرلمانياً واجتماعياً وإنسانياً، وأردد بيني وبين نفسي كيف استطعت في كل مراحل حياتك الحافلة ان تجمع بين حسم الرجل الكبير وحنان الأب العطوف وبين قدرتك على الحزم والضبط والربط وبين تلك الابتسامة الصادقة التي لم تكن تفارق محياك».
توحيد
أعلن الخرافي اعتزاله العمل السياسي في النواحي الرسمية في الأول من أبريل 2013، وفي تصريح له دعا إلى لمّ الشمل وتوحيد الكلمة، ووضع مصلحة الكويت فوق كل اعتبار.
